روايـــــــــــــــــــــــــــــــــة

طفل الشيطان
تحت مسمّى الإرهاب

رواية سينمائية

الرواية المرشحة للحصول على جائزة نوبل للأدب 2016

الجزء الأول ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ

سونيا لوفير راقصة الملهى اللّيلي الكائن في أطراف المدينة التي تسمّى "مدينة الحب" وهي مدينة شاعرية يتكلّم جميع سكانها بلغةِ المشاعرِ والأحاسيس. وقد قيل أنّ هذه المدينة لا يُعرف ليلُها من نهارها، فهي شاغلة بالحياة والحيوية في الليل اكثر من النهار. يسودها الوئام والفكر العاطفي، وتشتعل اضواؤها بنور المحبة السلام.

لقد عُرف في اطراف هذه المدينة ملهى ليليّ يضجّ بالغناء والمعزوفات الموسيقية الصاخبة، وبعضٍ من الطقوس الغريبة التي تمثّل العلاقات الجنسيّة بصورة تثير الإستغراب والتشويق للمتابعة. فهذا الملهى لا يخلو أبداً من الجمهور الكبير، والذي يكون فية العنصر النسائي اكثر من الرجال.

هذا الملهى يتكوّن من ثلاثة طوابق بمساحة كبيرة، كلّ طابق يحتوي على صالون كبير مفتوح ومنصّة رخاميّة للعرض وبار يختلف في المشروبات الروحانية التي بقدّمها عن الطابق الذي يسبقه أو يليه، وثلاث حجرٍ صغيرة غير متساوية الحجم، إلى جانب ذلك الحمام. والحمام بتصميمه يختلف من حيث الحجم والشكل ما بين طابق وأخر. ففي الطابق الأول هناك حمامين، واحد للعنصر الرجالي والآخر للعنصر النسائي، كما أن حمام النساء في الطابق الأول منفصل عن حمام الرجال ولا يجاورة كما هو متعارف عليه في تصميم المباني للملاهي الليلية. أضف لهذا أنّ حمام الرجال كبير قليلاً في الحجم من حمام النساء بالرغم من أنّ أكثر رواد هذا الطابق هنّ من العنصر النسائيّ.
أمّا الطابق الثاني فكان حمام النساء فيه أكبر وأوسع من حمام الرجال برغم ان الطابق الثاني أكثر رواده العنصر الرجالي بعكس الطابق الاول، والحمامين متجاورين حيث تجد مدخلهما ملتسقاين، ولا يفصل بينهم ألا الحائط ذا سماكة اسمنتية لا تتجاوز العشرة سانتمترات. أمّا الطابق الثالث فلم يحوي غير حمام واحد فقط بشكل حلزوني متداخل ذا إنارة ملونة وقوية وهو مشترك ما بين النساء والرجال.

كما وأنّ الإضاءةَ في هذا الملهى تختلفُ تماماً من طابقٍ إلى آخر. فإضاءةُ الطابقِ الأول ضعيفةٌ جداً، أمّا الطابقُ الثاني فالإضاءةُ فيهِ قويةٌ جداً وكثيرة الألوان، و الطابقُ الثالث فالإضاءةُ فيهِ إعتمدت على ضوءِ الشموع. ناهيكَ عن الموسيقى التي تختلف أيضاً ما بين الطوابقِ الثلاثة. ففي الطابقِ الأول الموسيقة صاخبةٌ جداً ومرتفعة و تضجّ بالفوضى، أمّا الطابقُ الثاني فهو متنوّعُ الموسيقى ما بين الصاخبة أحياناً، والهادئةِ في إحيانٍ أخرى، و هناكَ بعضِ الأيام لا تسمع فيها أيّ موسيقى في هذا الطابق. لكن في الطابق الثالث تجد الموسيقى الصاخبة لكنها بصوت منخفض جداً .

أمّا المنصّة الرخاميّة للعرض، فهي متساويةٌ ما بين الطابق الأولِ و الثالث، وتختلفُ تماماً في الطابق الثاني. فالمنصّة في الطابق الأول والثالث، تكون منبسطة بعض الشيء، وذاتَ قوائم حديديّة ثلاث، إثنان منها في المقدّمة يحملان حرف (X) باللغة الانجليزية فيما بينها. و تجد على تلك القوائم ثلاثةَ أقنعةٍ حديديّة تحملُ صورَ مخلوقاتٍ غريبةٍ. والمنصّة تحملُ ستارةً خلفيّة من الحريرِ باللون الأحمر يفصلُها منَ النصفِ خطٌّ أصفر شديدَ الوضوح. كما يوجد على هذهِ المنصّة من الجهةِ اليسرى عمودٌ رخاميّ واحد، وأربع درجاتٍ كبيرةٍ بعض الشيء من الجهةِ اليمنى يتمّ من خلالها الصعودَ فوقَ خشبةِ هذه المنصّة لتقديمِ العرض. أمّا ما يتوّج هذه المنصّةَ في الأعلى، صورةٌ لفتاةٍ عاريةٍ تبدو وكأنّها تصرخُ وتعني بصخب.

أمّا المنصّة في الطابق الثاني فهي ذات شكل سداسيّ، صُنع كلّ شيءٍ فيها من الرخام الأحمر. فارتفاعها عن سطح الطابق هو درجتين صغيرتين فقط من الجهة اليسرى، بعكس المنصّة في الطابق الأول و الثالث. كما وأنّها حملت فوقها عمودين رخاميّين وستارة خلفيّة تلفّ الثلاثة أجزاءٍ الخلفيّة من المنصّة السداسيّة، أي بشكل نصف دائرة مفتوحة للجميع. وهذه الستارة من الحرير باللون الأسود، لا يقطعها خطّ أصفر من النصف. ويتوّج رأس هذه المنصّة صورة لفتاةٍ عاريةٍ ممدّدة على الأرض تبدو وكأنّها تبكي.

أمّا الطقوس التي تُقدَّم على الخشبة الرخاميّة لهذه المنصّات فهي مختلفة ومتنوّعة جدّاً، تختلف تماماً ما بين كل طابق واخر. ففي الطابق الأول لا وجود لأيّة طقوس، إنّما هو رقص وغناء، وموسيقة صاخبة تضجّ المبنى بأكمله. مع الأخذ بالإعتبار أنّها تقدّم ثلاثة عروضٍ فقط في كل ليلة. العرض الأول يكون لمغنّي مشهور ومعروف، تصاحبه الموسيقى الصاخبة جداً تجعلُ الجميعَ يرقصُ ويصرخُ معها. والعرض الثاني هو عرضٌ بهلوانيّ، إذ يصعدُ خمسُ رجالٍ مقنّعين لخشبةِ المسرح، وثلاث فتياتٍ يلبسنّ الملابسَ الداخليةَ فقط، ومعصوبٌ على أعينهن ّبوشاحٍ يحملُ اللونَ الأزرقَ. حيث يتم إنزالهنّ بحبلٍ من الأعلى إلى المنصّة بشكل لولبي. يصحبهم في النزول صوت موسيقى "الروك"، ليتم بعدها العرض البهلوانيّ.

أمّا العرضُ الثالث فهو عرضُ الإثارة والتعرّي. إذ يتمّ تحضيرَ ستّ فتياتٍ حسناوات وجذابات للصعودِ على المنصّة منفردات، ليقدّمنّ عرضاً للتعرّي بصورةٍ رائعةٍ وملفتةٍ للنظر. وكلّ فتاةٍ لها موسيقى صاخبة وخاصّة بها.

أمّا الطابق الثالث تكادُ لا تُستعمل هذه المنصّة إلا في أيامٍ معينةٍ ومحدودةٍ، ولا تتمّ عليها أيّ عروض. فأغلبُ الأحيانِ يصعدُ اربعةُ رجالٍ وأربعُ فتياتٍ من الجمهورِ أو الزبائن للرقصِ فقط لبضعِ دقائق على الموسيقى الصاخبة الغير مرتفعة.

لكنّ الطابق الثاني فهو صاحبُ الطقوسُ التي تُغزلَ بالروحانيةِ بعضَ الشيء. فمن هذه الطقوس، أنّ فتاةً تصعدُ إلى المنصّة برداءٍ أو معطفٍ أسودٍ يغطّيها ككل. ومن ثم ّيلتفّها ستةُ رجالٍ لا يغطّي جَسَدَهُم أيّ لباس. و يكونون منحني الظهر، بإتجاهِ الفتاة كرقم ستة. ثمّ تبدأ هذه الفتاة الجميلة بالتعرّي ونزع ِ جميع ملابسها بإستثناءِ ما يغطّي صدرها (نهداها). وبعد ذلكَ تقومُ بنزعِ دبوسٍ صغيرٍ من شعرها لتوخز به شاهدَ يدها اليسرى لينزلَ الدمُ، فتضعُ على ظهرِ كل رجل من الرجالِ الستّ نقطة واحده من دمها، ثمّ تنامُ على المنصّة على هيئةِ فتاةٍ ممدّدةٍ على ساحلِ البحر وهي حزينة. ليبدأ الصراعُ ما بينَ هؤلاءِ الرجالِ بتمزيق أجسادِهم بأظافرِهم المدبّبة والكبيرة، والّتي يتم إطالتها لِهذا الطقس الروحانيّ كما هو معتقد لديهم. ونتيجةَ ذلكَ تسقطُ الدِماءُ من كلّ مكانٍ في الجسد، فأكثرُ من تغطّيه الدماءُ وتتساقط منه يكونُ هوَ الأول والأجدر بحملِ هذهِ الفتاةِ الحزينةِ وممارسةِ الجنسِ معها، أمامَ الجميعِ من جمهورِ وزبائنِ هذا الطابق دون ان يكشف عن صدرها (نهداها). وتبقى عمليةُ ممارسةِ الجنس لفترةٍ معيّنةٍ، أي بمعنى آخر لحينِ أن تنهكَ قوى هذا الرجلِ تماماً، ويوشكُ جسدهُ على الإنتهاءِ نتيجةً لنفاذِ دمائهِ، فيسقطُ مغماً عليهِ على الأرض بجانبِ تلكَ الفتاة. ولا ننسى في أثناءِ ذلكَ، أنّ الخمسة رجالٍ الباقين يجبُ عليهم الإستمرار في إنهاكِ جسدهم بالجراح، وتمزيقه بأظافرهم. فبعدَ الإنتهاءِ من الرجلِ الأولِ تعودُ الفتاةُ حزينةً من جديد. فيكونُ الرجلُ الثاني الأكثرَ جراحاً ودماءاً هو الأحقُ ليقومَ بمثلِ ما قامَ بهِ الرجلُ الأول بممارسةِ الجنسَ مع الفتاةِ دونَ أن يكشفَ عن صدرِها (نهداها) أيضاً امام الجميع، لحين أن تنهكَ قواهُ ويسقطَ ممدّداً بجانِبِها، لتعاودَ نفسَ الكرّةِ مرّةً أخرى، بإختيارِ الرجلِ الثالث الأكثرَ دماءاً، حتى الوصول إلى آخرِ رجلٍ كانت جراحه قدْ إلتأمتْ وتوقف نزيف دمه، حيث يقوم ذلك الرجلُ بسفكِ دماءِ هذهِ الفتاة .

ناهيكَ عن الطقوسِ الأشبهِ بطقوسِ العباداتِ الغريبةِ، وطريقةِ شربِ المشروباتِ الروحانيّة، والوصولِ إلى حدِّ الثمالةِ والهذيان. فكما ذُكِرَ سابقاً بأنّ نوع المشروبِ المقدّم في كل طابقٍ يختلفُ عن الطابقِ الآخر. فالطابقُ الأول يقدّمُ جميعَ أنواعِ المشروبات الروحانيّة، أمّا الطابقُ الثاني فمشروباتهُ تكون ذات تخميرٍ كبيرٍ ومركّز بثلاثة أنواعٍ فقط، أمّا الطابق الثالث فلا يقدّم فيه إلا نوعٌ واحد مختمرٍ في كل ليلة، ولا يحقّ للزبون شربَ أكثرَ من كأسين فقط.

أمّا مبنى هذا الملهى من الخارج فهو أشبه بالشكل الدائري ذو بوابة حديدة ضخمة، يقف بحراستها خمسةُ رجالٍ أقوياء و ذو بنيةٍ جسديّةٍ عالية. هذا وإنّ المبنى لا يحتوي على أيّ شباك، ما عدا الشباك الوحيد الموجود في الطابق الثالث، والذي يطلّ على البحر. والطابق الثالث أشبهُ بصالةِ قمارٍ كبيرة تضجّ بالمعاملاتِ الماليّةِ.

عددُ موظفي الملهى يبلغ (230) موظف وموظفة بدرجاتٍ مختلفةٍ ومتباينة. وكانت من ضمنهم بالوساطة أو بالوكالة ، أو بالشكل المؤقت إن صحّ التعبير "سونيا" الفتاة البالغة من العمر 27 عاماً. وهي فتاةٌ ذكيّة ذاتُ جمالٍ باهتْ وبراعة في الإقناع. حيث أنّها كانت ذات نشاط واسع وكبير في الملهى. لكنّها غير معترف بها كموظفة رسميّة، لذلك نجدُ أنّ عملها في جميع الطوابق الثلاث، هذا وأنّ عملها يختلفُ من طابقٍ إلى آخر. ففي الطابق الأول هي راقصة وفتاة تعرٍّ بارعة. أمّا في الطابق الثاني فنجدها مقدّمة للمشروبات الروحانيّة فقط، و مقيّدة بلباسٍ غريب بعض الشيء بخلافِ ما هو متعارفٌ عليه كزيٍّ لمقدمِ الكحول والمشروبات الروحانيّة، فهي ترتدي معطفاً أسود، وهذا المعطف يغطّي الجزءَ الأعلى من جسدها. أي بمعنى آخر هو قصير جداً يلفّه نطاقٌ أزرق تتخلّله خطوطٌ بيضاء وقبّعة خضراء. كما على سونيا عدم التكلّم مع أحدٍ من الزبائن في هذا الطابق، فالحديث معهم يكون بالاشارة فقط. أمّا في الطابقِ الثالث فهي سيدةٌ كاملة تظنّ عندما تنظر إليها للوهلة الاولى بأنّها سيدةٌ أعمالٍ من الطبقة البرجوازية أو طبقةِ النُبلاء. ويكون عملها ليس كموظفة، إنّما زبونةٌ دائمة على طاولةِ القُمار.

سونيا هي طفلةُ الملجأ الذي دمّرته الحربْ، وشرّدت جميع أطفاله. لتربّى عندَ صاحبةِ الملهى والتي كانت تحبّها كثيراً، ولكنّها لم تعيّنها كموظّفة رسميّة في الملهى، برغم أنّ سونيا هي الدجاجةُ الّتي تبيضُ لها كلّ يومٍ بيضةً من ذهب. فكثيرونَ من روّادِ هذا الملهى منَ الشخصيّاتِ المعروفة، والّتي لها وزنها ومكانتها الكبيرة، كانت تتردّد على الملهى من أجل سونيا. فقد كانت اكثر فئة تقدّم الإعجاب لسونيا هي الفئةُ المرموقةُ. إذ أنّ هذه الفئة تشغلُ الطابقَ الثالث في الملهى، وسونيا في الطابق الثالث تظهرُ بمظهرٍ أكثر جمالاً وبهاءاً وإشراقةً وإلتزام من مظهرها في الطابق الثاني والأول، لذلك فهي تحصدُ إعجابَ هذه الفئةِ الباحثةِ عن المالِ والجمالِ في آنٍ واحد.

سونيا فتاةٌ جميلةٌ جداً، فهي ذاتُ وجهٍ دائريّ أبيض، وعيونٌ واسعةٌ وقوامٌ رشيقْ، لا يعتليها الطول ولا يلزمها القصر، شعرُها شديدُ السواد ينحدرُ من رأسِها إلى كتفاها وحتى أسفل ظهرها. تملكُ شامةً في خدّها الأيمن، وهي ما تجمّل وجهها. غير متعلّمةٍ لكن الحياة هي من علمتها الكثير، فأختلاطها الواسعُ بالناس ساعدها كثيراً، فهي تمتلكُ أكثرَ من عشرِ لغاتٍ عالميّة تعلّمتها أثناء عملها في الملهى، وذلك لكونِ أنّ روّاد هذا الملهى من مختلفِ الأجناس والأعراق. بارعةٌ هي في فنّ المغازلةِ والمراوغة، قادرةٌ على الإقناعِ. بشوشةُ الوجهِ دائماً برغم أنّها تحمل حقداً كبيراً على الحروب، وعلى والديها الّذان لا تعرفُ عنهما شيئاً أوحتى من يكونون.
.
سونيا لا تُعطى راتِب من صاحبةِ الملهى، بلْ هي من تدفعُ المالَ مقابلَ بقائها في الملهى، ومقابلَ ما بذلته صاحبةُ الملهى في تربيتها. فحين كبُرت كان يتوجّب على سونيا ترك بيت صاحبة الملهى والعيشِ لوحدها في بيتٍ مجاورٍ للملهى بعض الشيء .إذ كانت تسكنُ في عمارةٍ مكونةٍ من (55) طابقٍ، سكنت هي في الطابق (13). وهي شقةٌ متواضعةٌ وجميلةٌ بعض الشيء، علّقت على جميع جدرانها صوراً للحيواناتِ. فحينما كانت سونيا في الملجأ وهي صغيرة كانت كثيراً ما تطالع صور الحيونات معلّقةً على جدران الملجأ، لذلك بقيت تلك الصورة راسخة في عقلها لحين أن كبرت، فجعلت صور الحيوانات على جميع جدران منزلها. كما يحتوي منزلها على التماثيلِ المكسّرة والمتآكلةِ بعض الشيء.

منزل سونيا يتكون من ثلاثِ غرفٍ متوسّطة الحجم، واحدةٌ منها كانت غرفةُ نومٍ خاصة لسونيا، لا تسمح لأحدٍ بدخولها، وأخرى فارغة بجانبِ غرفةِ النوم فُرِشَت أرضها باوراقِ الجرائد، أضف الى ذلك قنديلُ زيتٍ للإنارة، ومرآة على الحائط اليسار. والغرفة الثالثة بمثابةِ مكتبٍ أو أنّها غرفةٌ لطفلها في المستقبل. بالإضافة إلى صالون كبير، ومطبخ مفتوح وشرفةٌ تطلّ على البحر.

كانت سونيا كلّ ليلةٍ بعدَ إنتهاءِ عملها، تَصطحِبُ رجلاً مسؤولاً من الطابق الثالث لممارسةِ الجنسِ معه بصورةٍ غير مألوفة. فقد كانَ لها طقوسٌ خاصّةٌ ومثيرة. إذ أنّ عمليةِ الجماع يجب أنْ تتمّ على ضوءِ القنديل في الغرفةِ المجاورةِ لغرفةِ نومها الخاصة. وفي هذه الغرفة تفرشُ ورقَ الجرائدِ على الأرض، إذْ كانت ممارسُ الجنسَ تتم فوقها. وقد كان يجب عليها تغيير اوراق الجرائد بعد كلّ عملية جماع.

عُرِفَ عن سونيا إلتزامها الشديد بالعمل، فقد حصدت ثروة جيّدة أثناء عملها في الملهى، أضف إلى أنّ جمالها الفائق يمكّنها من جذب أي رجل مهما كان. فعلاقاتُها واسعة جداً وعلى وجه الخصوص علاقاتُها الجنسيّة، ومع ذلك فهي لا تقوم بأكثر من علاقة جنسيّة واحدة مع نفس الرجل مهما كان، وهذا ما يجعل الرجال شديدي التعلّق بها، وإعطاءها ما تريد مقابل قبلة او لمسة لجسدها الشفاف اليانع بالرشاقةِ والحيويةِ.

سونيا لم تكن تتعاطى المشروبات الروحانيّة (الكحول) على الإطلاق في الملهى، ولا ترغبها أبداً، لكنّها كانت تشرب كأساً واحداً فقط قبل عمليةِ الجماع أو العلاقة الجنسيّة، التي كانت تتمّ في منزلها وعلى أوراق الجرائد. أضف إلى أنّ قلب سونيا لم يشغف بحبّ أيّ رجلٍ من الرجال الذين كانت تمارس معهم الجنس، وأنّ عمليّة الجنس كانت لإفضاء الرغبة فقط معهم بطريقةٍ مميّزة ومثيرة كما هي تعتقد. ومع ذلك فإنّ هناك ما يثير الإستغراب في هذه العلاقة التي كانت تتمّ بأجواء خاصّة ومميّزة. فبعد إنتهاء كلّ علاقةٍ جنسيّةٍ تقيمها سونيا، كانتْ تسمعُ صوتَ طفلٍ صغيرٍ يصرخ، وتراهُ على المرآةِ. أضِف إلى ذلك أنّ الرجلَ الذي يكونُ معها، يلاحظُ هذا أيْضاً، ولكنّه كان يأخذهُ من طابعِ السكْرِ والثمالة. ولعلّ هذا هو السببُ الذي يدفعُ سونيا لعدمْ إصطحاب هذا الرجلَ مرّةً أخرى للمارسةِ الجنسِ معهُ.

لم يكن لسونيا أيّ فكرٍ سياسيّ أو تتدخّلات سياسيّة على الاطلاق. وهي تكرهُ السياسةَ، لكنّ طبيعةَ عملِها في الملهى وفي الطابق الثالث تحديداً، جعلتها ذات إنمامٍ سياسيّ كبير، لكونِ أنّ أكثر روّاد هذا الطابق هم من المسؤولين السياسيّين، ورجال الأعمال و المافيا وتجار السلاح، و ذو العلاقة المباشرة في السياسة. كما وأنّ أكثرَ هؤلاءِ الرجال كانوا يطلعونَ سونيا على بعض أسرارهم السياسيّة، وإعتبارها أمينةً على هذه الأسرار. وهذا فعلاً ما تقوم به سونيا، إذ بذلك حملت ثقافةَ سياسيّةَ واسعةَ جرّاء ذلك، لدرجةِ أنّها أصبحت تتنبأ بحدوثِ الكوارثِ السياسيّةِ قبلَ حدوثها. وهذا التنبُؤ لم يكن يُبنى على الخيال أو العالم الروحانيّ، إنّما كان على واقع نتيجة علاقاتها الواسعة مع المسؤولين ورجال الأعمال و المافيا وتجار السلاح، و الذين كانوا يتردّدون على الملهى بشكل مستمر.
تقول سونيا "أن ّالحياة دون فوضى غير ممتعة"، لذلك فهي تعشق مكانَ عملِها الذي يضجّ بالفوضى، فعملها يبدأ في المساء، لذلك هي ترى القمرَ أكثرَ من الشمس، و تسعدُ بقدومِ الّليل وتسكن أجنابها الراحةَ حينما يعمّ الظلام الدامس.

عُرفَ عن سونيا بأنّ ليس لها أيّ علاقاتٍ عاطفيّة، وأنّها لا تُؤمنُ بقصصِ الحبّ ودهاليزه. فعلاقاتها بجنسِ آدم لاتتجاوزُ المصالحَ الماليّة والعلاقات الجنسيّة. فبرغمِ أنّ الكثيرون وقعوا في حبّها، إلا أنّها لم تكن تبالي، فهناك رجلٌ وسيم جداً كان يلاحقُها دائماً، وكان شديد الولهِ بها. فقد كان يتردّد بشكلٍ دائمٍ على الملهى من أجلها، وقد عَرَض عليها الزواج والإرتباط كثيراً لكنّها رفضت ذلك، وبشدّة. لكنّه بقيَ على حبّها ولم يتوقف أبداً عن ملاحقتها، إلى حين يوم إعترض طريقها رجلٌ حاول مضايقتَها ومعاكستَها، وكان هذا الشابُ الوسيمُ الذي إسمه "أدور" يراقبها كما كان معتاداً كلّ يوم. فوقف "أدور" لمنعِ ذلك الرجل من مضايقة سونيا، وقد دبّ شجارٌ كبير بينهما، فقام "أدور" بلكرمِ ذلك الرجل ليسقطَ بعد ذلك على الأرض وقد فارق الحياة، ليقبضَ على "أدور" بتهمةِ القتلِ فإستدعوا سونيا للشهادةِ بما قد حدث، فتشهد سونيا ضدّ "أدور" فتقول بأنّه قام بقتلِ الرجلِ عامداً متعمّداً. ويحكم بعدها على "أدور" بالسجنِ لمدةِ خمس عشرة عاماً، بسبب المعشوقةِ الظالمة سونيا ممّا يثير في قلبه نار الإنتقام والحقد.

كان من أحدِ شعاراتِ سونيا (حتى تعيش يجب عليكَ أن تكون ظالماً وقاسياً مع الجميع، وخصوصاً مع من يحبونك). و "حتى تسود يجب أن تنكرَ حقيقةَ الضمير الذي هو مدفونٌ من الأصل، ولا علاقةَ لهُ بواقعِ الإنسان ومعاملاته" حسب اعتقاد سونيا.

بقي هذا أسلوبَ سونيا بالحياةِ وشعارها، إلى حينِ وقوعِها بشباكِ العشقِ والغرام، و تقلبَ حياتها رأساً على عقب. تقع سونيا بحبّ رجلٍ مسؤول و ذو مركزٍ كبير ومال، كان يتردّد كثيراً على الملهى في الطابق الثالث فقط، من أجلِ اللعبِ على طاولة القمار، حيث كان لا يخسرُ أبداً. وهو شابّ يقارب في العمر الثلاث والثلاثون عاماً، وسيم جداً، وله قدرةٌ عالية على التعامل مع الآخرين، بالرغم من أنّه قليلُ الكلام. كما يبدو على وجهه ملامحُ الهدوءِ والشاعريّةِ و كان يسمّى "رود".

وقعت سونيا في حبّه من خلالِ نوع "البرفان" الذي يضعهُ، فقد كانت رائحةُ البرفان تلفت إنتباه الجميع وخصوصاً سونيا. حيث كانت كثيراً ما تحبّ الجلوسَ بجواره لتشتمّ رائحةَ برفانه.

تطوّر هذا الموضوع إلى أكثر من ذلك، فحينما تعودُ إلى البيت وبينما هي على سريرها، كانت وكأنّها تشتمّ رائحة البرفان، ممّا أشغل فكرها وتفكيرها، فاليوم الذي لا يأتي به إلى الملهى تشعر وكأنّ الملهى تنبعث منه رائحة كريهة.



ما يثيرُ الدهشةَ أنّ هذا الشابَ الوسيم رود، و برغم جمال سونيا و ولّع جميع الرجالِ بها، وتعلّقهم بجمالها وجاذبيّتها، لم يكن يعر لسونيا أيّ إهتمام، وهذا ما جعل سونيا تتعلّق به إكثر وأكثر، وتحاول لفت إنتباهه إكثر من مرّة لها. و لكن دون جدوى، حيثُ أنّ رود كان يعتبرُ الملهى مكاناً لجلبِ المالِ، ومن فيه يقدّمون المالَ له على طبقٍ من ذهب، بما فيهم سونيا نفسها.

لم توجد طريقة للفتِ إنتباه رود، إلا وقدْ عملت بها سونيا و لكن دون جدوى. إذْ حاولت إصطحابه إلى البيت لكنّه كان يرفض ذلك، ولم يعرها أيّ إهتمام. وقد كان في إعتقاد سونيا أنّ الرجال صنفٌ واحد، وأنّه يمكن السيطرة عليه من الناحيةِ الجنسيّة. فكانت كثيراً ما تقلّل من لباسِها وتكشفُ عن عورتها له، لكنّه لم يلاحظ ذلك مطلقاً، فأدركت أنّه يجب أن يرى جسدها كاملاً حتى تتمّ الإثارة الجنسيّة، ولكن كيف ذلك؟

رود لم يكن ينزل إلى الطابق الأولّ ولا الثاني مطلقاً. ففي الطابق الأول يكون طبيعة عملها فتاة تعرّي، أمّا في الطابق الثالث فهي سيّدة أعمالٍ ذات إتكيت وكأنّها من الطبقة البرجوازيّة.

كان يجب عليها أن تفعل شيئاً من أجل إنزاله إلى الطابق الاول، ليراها في حلقة تعرّي، فتجذب إنتباهه جنسيّاً، ولكن كيف أيضاً؟ فهو لا يعيرُ لها أيّ إهتمام مطلقاً.
كان لرود صديقاً قليلاً ما يرافقه إلى الملهى، وكان هذا الصديق مولعٌ بالنساء وكان يدعى بــ "روك". فأدركت سونيا أنّه السبيل الوحيد لإقناع رود لينزلَ إلى الطابق الأول، فحاولت التعرّف عليه وإغراؤه بالنساء. إذ في أحد الأيام طلبت منه إصطحاب رود إلى الطابق الأول، لكنّ روك أخبرها أنّه من المستحيل لرود النزول إلى هذا الطابق مباشرة، لذلك حاول أن يبدأ السلّم من الأعلى إلى الأسفل، فحاول إقناعه بالنزول إلى الطابق الثاني للإطلّاع على ما يدور فيه.

بالفعل إقتنع رود ونزل إلى الطابق الثاني، وفي هذا اليوم بالذات لم تتقيّد صونيا بلباس الطابق الثاني، والذي هو معطفُ قصير يلفّه نطاقٌ أزرق تتخلّله خطوطٌ بيضاء، إذْ لبست معطف أبيض شفّاف بنطاق أحمر ولكنّ رود لم يراها مطلقاً ولم يعرفها، برغم أن سونيا حاولت أن تجعله يتعرف عليها، وتكلّمت أكثر من مرّة معه رغم أنّه لا يُسمح لها بالكلام مطلقاً مع الزبائن في الطابق الثاني. وأيضاً لم يعرفها رود.

لقد أخفقت سونيا أيضاً فلا بدّ أن ينزل رود إلى الطابق الأول لكي يرى جسدها، فيقع في حبّها كما كانت تعتقد. فعرضت على صديقه روك إقناعه بذلك. وبعد عدّة محاولات من روك تمكّن أخيراً من إقناعه بالنزول إلى الطابق الاول.

وبالفعل ينزلُ رود إلى الطابق الأول وكانت هذه الليلة ليلةُ الإثارة والمتعة. فقد لبستْ سونيا أجمل لباسٍ للتعرّي، حيث بدت كما القمر، تقدّم عرضاً مذهلاً جداً شدّ الجميعَ من الحضور لها. فجميعُ من كان موجوداً من الجمهور أشادَ بعرضِها الرائع والمذهل، لكن للأسف خاب أملها، فقد كان رود و كأنّه لم يراها ولم يعرفها على الإطلاق. ولم يعر أيّ إهتمام لحسنها، بل كان كلّ إهتمامه لأسلوب العرض وجماله.

ساء هذا سونيا كثيراً، وشعرت بخيبة أملٍ كبيرة لدرجةِ أنّها بقيت يومان وهي مريضة في البيت. ولكن و بعد كل ّهذا تلعبُ الصدفةُ دورَها، ففي أثناء ذهابِها إلى الملهى في اليوم الثالث، وبعد إنتهاء إجازتها، وقد كانت متأخرّة عن موعدِ عملِها، و في لحظة وصولها إلى الملهى يكون رود قد وصل، وينزل من سيارته الخاصّة التي كانت تقلّه إلى الملهى. وفي أثناء ما كانت سونيا مسرعةً إذا وبرود ينظرُ لها بنظرةٍ غريبةٍ لم تنتبه سونيا له حين ذاك، فقد كان همّها أن لا تتأخّر أكثر عن موعد دوامها في الملهى، وبينما هي مسرعة يسقط شالها الأسود دون أن تنتبه له. ليلتقطه رود منادياً عليها لكن سونيا لم تسمع أيّ نداء.

بقي رود واقفاً مكانه يصحبهُ تفكير كبير جداً. فما حدث الآن أمامه قد حدث مسبقاً وينفس الأسلوب والمنظر، ولكن أين؟ ومتى؟ وكيف؟ لم يتذكّر شيئاً. ولكنّه شعر بأنّه يعرف هذه الفتاة جيداً.

لحقَ رود بسونيا على الفور من أجل أن يعطيها شالها الأسود، ومن أجل أن يتعرّف عليها. حاول رود التمعّن بالشال جيّداً ليدرك أنّ هذه الفتاة لابدّ أن تكون من روّاد الطابق الثاني، إذ أنّ الشال هو من يدلّ على ذلك. لذلك إتجه إلى الطابق الثاني في الملهى، وحاول البحث عنها. وفي هذا الوقت يكون عمل سونيا في الطابق الثالث وليس في الطابق الثاني.

يستمر رود في البحث عن صاحبة الشال الأسود في الطابق الثاني، لكن دون جدوى، ولم يعثر عليها. فأدرك حينها أنّها لابد أن تكون من روّاد الطابق الأول، فنزل إلى الطابق الأول يبحث بين الجمهور الكبير من النساء عن صاحبة الشال.

كانت سونيا مستاءةً جداً تلك الليلة، لكونها لم تحظى برؤيتهِ هذه الليلة. ولكن مهلاً سونيا إشتمّت رائحة برفانه قبل دخولِها، ولكن ظنّت سونيا حينها أنّها وصلت حدّ الهلوسة بهذا الشاب.

ينتهي عمل سونيا في الطابق الثالث، ويجب عليها أن تنزل إلى الطابِق الثاني كي تباشر عملها فيه. كانت محبطة ومستاءة جداً لعدم تمكّنها من أن تحظى برؤيته. كان شعوراً غريباً ومحزناً، ولكن حينما نزلت إلى الطابقِ الثاني، كانت وكأنّها تشتم رائحة برفانه ما بين الجمهور، هي تشعر بوجوده لكنّها غير مؤمنة بذلك.

أمضى رود ساعات طويلة وهو يبحث عن صاحبة الشال في الطابق الأول، لكن دون جدوى. حتى قال في نفسه لا بدّ من أن يجدها في الطابق الثالث، ليتّجه حينها إلى الطابق الثالث.
في ذلك الوقت ينتهي عمل سونيا في الطابق الثاني لتنزل إلى الطابق الأول، وفي حين نزولها تشتمّ رائحة البرفان أكثر فأكثر. وأنّ هذا دليلٌ على وجودِه، ولكنّها إستبعدت هذا الأمر مطلقاً، لكون أنّ رود المعشوق لا يزور الطابق الأول على الاطلاق.

بحث رود عن سونيا في الطابق الثالث كثيراً، لكن لم يجد لها أي أثر، ممّا أدّى لإصابته بخيبة أمل، فترك الشال على طاولة القمار وذهب وهو يفكّر من هي الفتاة صاحبة الشال الأسود.

تعود سونيا بعد إنتهائها من عملها في الطابق الأول إلى الطابق الثالث، لتعطي صاحبةَ الملهى المال مقابل عملها تلك الليلة، كما كانت معتادة دائماً. فتجد شالها ملقاً على طاولة القمار، إستغربت كثيراً ولكنّها ظنّت أنّها قد نسيته هنا. فأخذت الشال، ولكن مهلاً الشال يمتلئ برائحة برفان رود وبشكل قويّ. تشتّتت فكر سونيا، إذْ بدت لا تفهم شيئاً لتغادر الملهى على الفور. وحين وصل رود إلى سيارته تذكّر الشال وأنّه قد نسيه في الطابق الثالث على طاولة القمار، لذلك عاد مسرعاً لكي يأخذ الشال، وعلى درج الملهى إلتقى رود بسونيا، فحاولت سونيا إعتراض طريقه وهي تلبس الشال الأسود ذاته، لكنّه لم ينتبه لها أو للشال مطلقاً.

فرحت سونيا لكونها رأته، وتابعت خروجها عائدةً إلى المنزل. وصل رود إلى نفس الطاولة لكنّه لم يجد الشال، سأل الجميع عنه وبحث في كل مكان لكنّه لم يعثر عليه، فظنّ أنّه فقد الشال وفقد صاحبته التي شغلت فكره وتفكيره.
في اليوم التالي أتى رود إلى الملهى، ليس للّعب كما كان معتاداً في كل مرّة، وإنّما للبحث عن تلك الفتاة. وكانت سونيا في ذلك الوقت قد بدأت عملها كالمعتاد في الطابق الثالث، وكانت ترتدي الشال الأسود ذاته على فستان يلفت الأنتباه إليها بصورةٍ غير طبيعيّة. وجلست بقرب رود تستمتع برائحة برفانه، وقد حاولت الحديث معه أكثر من مرّة، ولكنّه كان شارد الذهن يفكّر بالفتاة صاحبة الشال، وكان وكأنّه لم يرى سونيا ولم يرى الشال الأسود الذي كان على كتفيها.

لم يمكث رود كثيراً في الطابق الثالث، حتى نزل إلى الطابق الثاني باحثاً عن صاحبة الشال هناك. أمضى رود الكثير من الوقت تلك الليلة في الطابق الثاني، إلى حين وقت نزول سوفيا إلى عملها اللاحق في الطابق الثاني.

لبست سونيا لباس الطابق الثاني الخاص، وحضّرت نفسها، ولكنّها خافت أن تنسى الشال كما حدث معها ليلة البارحة، فقرّرت أن تلبس الشال الأسود، كما وأنّ الشال يعبق برائحة برفان رود، لذلك هي لا تريد أن تفقده.

باشرت سونيا عملها، وفي أثناء ذلك كانت تشتمّ رائحة البرفان بقوة، لتدرك أنّه موجود في الطابق ذاته، لكنّها لم تراه، كما وأنّ رود لا يتردّد على هذا الطابق، فظنّت أنّ رائحة البرفان تنبعث من شالها، وتتشبّث به كلّما طال الوقت. وهي بذلك سعيدة جداً.

يتركُ رود الطابق الثاني بعدَ أنْ أدركَ أنّه لا وجود لتلك الفتاةِ فيه، لينزل إلى الطابق الأول وهو يبحث عنها، ولكن كانت ملامحُ تلك الفتاةِ قد تلاشت من ذاكرته نهائيّاً، والشال فقده. لذا هو يبحث عن فتاةٍ لا يعرفها. لذلك عاد إلى البار في الطابق الأول كي يشرب بعض الكحول. والطابق الأول كما هو معروف تُقدّم فيه جميع أنواع الكحول، و رود لم يعتدّ على الشرب إلا بكميّات محدودة، ومن أنواعٍ معيّنة في الطابق الثالث. ولكن حيرته وإنشغاله بالتفكير بالبحث الطويل حطّ من عزيمته، ليتعاطى الكحول بطريقة غير طبيعيّة و يصل إلى حدّ الثمالة.

ينتهي عمل سونيا في الطابق الثاني لتنزل إلى الطابق الأول، وفي أثناء ذلك يُغمى على رود لكثرةِ إسرافِه في تناول الكحول. ليتمّ نقلَه إلى المستشفى .

باشرت سونيا عملَها في الطابق الأول، وكانت رائحة البرفان قد ملأت المكان بأكمله. أصيبت سونيا بالهلوسة، فقدّمت عرضاً واحداً ليلتها، لتلجأ بعد ذلك إلى تناول الكحول حتى تتخلّص من هذه الهلوسة برود. أفرطت هي أيضاً بتناول الكحول، لكن ليس لحدّ الثمالة، لتترك الملهى في حينها دون حتى أن تعطي المال لصاحبةِ الملهى مقابل عملها كما كانت معتاده.

عادت إلى البيت لفورها، ولكنها نسيت شالها الأسود على طاولةِ البارْ. وفي اليوم الثاني أدرك رود بعد خروجه من المستشفى فقدانَه لمحفظته في الطابق الأول في الملهى، فعاد إلى الملهى ليسأل عن محفظته، وحين سؤاله وبحثه عن محفظته، عثر بذاك الشال الأسود نفسه. ليفرح بذلك لدرجةِ أنّه نسيَ موضوعَ محفظته والبحث عنها.

أخذ رود الشال وأخذ ينتظر المساء بفارغ الصبر، حتى يبحثَ عن صاحبتِه. تلكَ الفتاة التي أخذت كثيراً من تفكيره. كانت سونيا في تلك الليلة قد أخذت إجازةً من صاحبة الملهى، لترتاحَ بها أعصابُها وتسكن هواجسها.

حينما أقبل المساء كان رود يتّجه إلى الملهى، تملؤه روح الفرح. وحين وصوله قرّر البحث عنها من الطابق الثالث وحتى الطابق الأول، ولكن كيف يبحث! فهو كان قد نسيَ معالمَ وجهِها، لذلك فكّر بإصطناع خطّة للبحث عن صاحبة الشال الأسود. فوقف على المنصّة الرخاميّة للعرض يقول: "مكافأةٌ ماليّة كبيرة لصاحبة هذا الشال"، ولكن في الطابق الثالث لم يعيره أحدّ من الموجودين أيّ إهتمام، وجعل يردّد ذلك أكثر من مرّة، و لكن دون جدوى. فأدرك حينها أنّ لا وجود لها في هذا الطابق.

ترك رود الطابقَ الثالث لينزلَ إلى الطابق الثاني، وبدأ بستعمل نفس الطريقة ولكن بإسلوب مختلف. إذْ صعدَ إلى المنصّة الرخاميّة السداسيّة الشكل، الموجوده في الطابق الثاني وهو يمسك الشال الأسود بيده، ويقول: "هناك جائزةٌ ماليّة مجزية لمن يعرف صاحبة هذا الشال"، فوجد الجميع قد أصبح يتنبأ، وأنّ هذه الجائزة ستحدث كارثةً في هذا الطابق، إذا لم يعرف من يعرف صاحبةَ هذا الشال المجهول المقامةُ عليه هذه الجائزة الضخمة، لذا إلتزم الجميع الصمت والتفكير.

أدرك رود حينها أنّ لا وجود لصاحبة الشال أو من يعرفها في هذا الطابق أيضاً، لذلك نزل إلى الطابق الأول، وصعد على منصّته الرخاميّة ليفعل ما كان يفعله في الطابق الثالث والثاني. ولكن هنا عاد الى ما قد فعله في الطابق الثالث.

في هذا الوقت تكون سونيا قد إشتاقت لشمّ رائحة برفانه، فتذكّرت الشال، وأخذت تفتّش عنه في حجرتها لكنّها لم تجده. فأدركت أنّها قد نسيته في الطابق الأول من الملهى.

حينها قرّرت سونيا أن تذهب إلى الملهى كي تحضره، وبالفعل تذهب سونيا إلى الملهى. ليكون رود قد صعد على المنصّة وهو يقول كما قال في الطابق الثالث: "مكافأة ماليّة كبيرة لصاحبة هذا الشال". إذا وبكلّ الحضور من النساء في الطابق الأولّ تقول: "أنا .. أنا .. أنا .." حينها قال في نفسه أنّه من المستحيل أن يعثر عليها. فرمى الشال على طاولة البار في الطابق الأول وغادر الملهى.

في أثناء تحرّك سيّارته تكون سونيا قد دخلت الملهى لتبحث عن شالها، فتجده على طاولة البار. أخذت الشال وغادرت على الفور وفي الطريق جعلت تشتم رائحة البرفان وقد كانت تعبق بقوّة في شالها.
قرّر رود عدم الذهاب إلى الملهى مطلقاً، وأنّ سبب كلّ ما هو فيه من هلوسة هو من جرّاء الذهاب المتكرّر لهذا الملهى. وأنّه إذا ما بقيَ على هذا الحال سيصاب بالجنون.

تستيقظ سونيا على جرس الباب، أحد موظفي الملهى بعثت به صاحبة الملهى تستدعي حضورها في هذا الوقت الباكر. إستغربت سونيا هذا، لكون أنّ صاحبة الملهى لم تطلب حضورها أبداً في النهار من قبل. كما وأنّ الملهى لا يفتح أبوابهُ إلا في المساء.

بدلت سونيا ملابسها وأنطلقت إلى الملهى على الفور، وحين وصولها إذْ وبجميع موظّفي الملهى موجودين، وإنّه إجتماع عاجل من صاحبةِ الملهى.

كانت صاحبة الملهى لم تصل بعد، و جميع الموظّفين لا يعلمون سبب إستدعاء صاحبة الملهى لهم. كان الجميع يتساءل بما فيهم سونيا، حيث بدأت بطرح التساؤلات على نفسها. كون أنّ هذا الإجتماع في الصباح الباكر و من دون سبب معلن عنه، وفي الطابق الثاني أيضاً. وهذا لم يحدث أبداً طول عمل سونيا في الملهى، فقد كانت جميع إجتماعات صاحبة الملهى في الطابق الثالث دائماَ. وقبل قدوم المساء بساعة. مرّ وقت طويل ولم تحضر صاحبة الملهى بعد، مما ثار الخوف والقلق في قلوب الجميع من هذا الإجتماع العاجل.

وصلت صاحبة الملهى أخيراً لتصعد على المنصّة سداسيّة الشكل الموجودة في الطابق الثاني، لتخفض الأضواء، و بعد ذلك تستدعي كل من مدير الأمن في الملهى، ومدير العلاقات العامّة، ومدير الحسابات، ومدير الإعلام، ومدير البار، ومعهم أيضاً سونيا. تقدّم كل من إستدعتهم ليصعدوا على المنصّة، وبدأت تتحدّث معهم بصوت غير مسموع للجميع لمدّة ساعة. وكانت أكثر ما وجّهت الحديث في هذا الإجتماع السرّي المعلن عنه أمام الجميع، من موظّفي الملهى هو مدير الامن وسونيا.

بعد ذلك، يُعلن للجميع أنّ سبب هذا الإجتماع هو حضور مسؤولٍ كبير، و ذو مكانةٍ كبيرةٍ ومرموقة إلى الملهى في مساءِ هذا اليوم. فيجب تحضير الملهى على أكمل وجه، وأنّ الوقت ليس بكافي، لذلك يجب التحضير من الآن. وأنّ هذا المسؤول لن يأتي لوحده، إنّما معه مسؤولان مهمّان أيضا ً ، يعتبران الذراع الأيمن والأيسر له. لذا على الجميع البدء بالعمل الآن لتجهيز الملهى.

باشر الجميع بالتجهيز والتحضير، بما فيهم سونيا التي كانت وكأنّها مضطّربة بعض الشيء بعد هذا الإجتماع السرّي المعلن للجميع مع صاحبة الملهى. وأثناء ما كانت سونيا تقوم بالتجهيزات مع باقي الموظّفين، عثرت على محفظة ذاك المعشوق رود، و الّتي أضاعها في الملهى ليلة تعاطيه الكحول.
فرحت سونيا كثيراً وقامت بتفتيشها على الفور، فلم تجد فيها سوا صورة له، وبعضاً من قصاصات الورق المسجّل عليها تواريخ لأحداثٍ في المستقبل، وشيكّ بنكيّ بقيمة "11" مليون دولار يمكن صرفه لحامله. في هذه اللحظة يقلب الموضوع من صفقة حبّ إلى صفقة ماليّة كبيرة. وإنّ هذا الشيكّ الذي بين يديها الآن يخرجها من كل ما هي فيه، ويمنحها الحياة والسعادة. ليبدأ صراعٌ ما بين الحب والمال، وكما نعرف بأنّ سونيا تحب المال جداً وتفضّله على كل شيء مهما كان، ولكن هنا المسألة تختلف تماماً، فسونيا لا تحب أن تخسر شيئاً على الإطلاق، لذا يجب عليها التفكير أكثر لتظفر بكل ما تريد دون خسارة.

وضعت الشيكّ في جيب بنطالها وجلست تشرب فنجان من القهوة وهي تفكر وتفكر، لحظات حتى قرّرت أنّها ستقوم بإرجاع المحفظة إلى رود، و من المؤكّد أنّها إذا ما وجدت الفرصة المناسبة للحديث معه فإنّها قادرة على إغوائه و إيقاعهِ في شباك حبّها، وبذلك تكون قد كسبت المال والحب معاً. ولكن محفظة هذا رود خالية من النقود، و رود كما تعرفه سونيا حين كانت تراقبه، لم تصدف مرّة أن رأت محفظته دون الكثير من النقود. لذا من الواضح أنّ المحفظة سرقت منه وأخِذَ منها جميع النقود، و رميت في الطابق الأول. كون أنّ رود لا يتردّد على هذا الطابق مطلقاً.

فإذا ما أعادت المحفظة له سيعتقد بأنّها هي من سرقت محفظته. وهكذا ستتعقّد الأمور أكثر على سونيا. ومع ذلك فإنّ سونيا لا تريد أن تخسر، لذا قامت بتقدير ما يكسبه من مال يوميّاً على طاولة القمار في الملهى، و وضعته في محفظته. لكنّها لم تعلم أنّ تلك الليلة التي أضاع بها رود محفظته لم يلعب فيها، إنّما كان منشغلاً بالبحث عنها.
إكتمل تجهيز الملهى على أكمل وجه بعد مجهود كبير. لتبدأ مراسم إستقبال الضيف المسؤول وصحبته.

في نفس الوقت الذي أُستدعيت فيه سونيا من قبل صاحبة الملهى، أُستدعيَ رود من قبل المسؤول الذي سيقوم بزيارة الملهى، والذي حُجِز له في الملهى وقد كان رود الدرجة الثانية من المقربون لهذا المسؤول الكبير ويعتبر الذراع الايسر له وأنه يجب عليه مرافقته هذا المساء الى الملهى، أستغرب رود من طلب المسؤول واصراره على مرافقته الى هذا الملهى بالذات ولكن هذه أوامر ويجب أن تنفذ مهما كان.

إنطلق موكب هذا المسؤول بإتجاه الملهى، وقد كانت صاحبة الملهى قد جهزّت الملهى أفضل تجهيز ليليق بحضور هذا المسؤول المهم.

دخل كل من المسؤول و مساعده الأول والذي يسمّى مايك، و مساعده الثاني رود، وحرّاسه إلى الملهى. ولكن عندما رأت سونيا رود مع المسؤول إستاءت كثيراً حتى بدأت بالبكاء!

ما السبب يا ترى؟

إنّ الإجتماع السرّي المعلن عنه لمدّ ساعة أمام موظّفي الملهى جميعاً، و الذي كان من أحد الّذين يعرفون سرّه هو سونيا. والذي نتجَ عنه أنّ سونيا ستقوم بإطلاق النار على الشخص الذي سيرافق هذا المسؤول الكبير اليوم، و اّلذي سيكون جالساً بجانبه الأيمن. لذا فإنّ سونيا قد كُلّفت بقتل رود في ذاك الإجتماع. وقد حصلت الموافقة المطلقة على هذه العمليّة من قبل الخمسة مدراء الموظّفين، بالأضافة إلى سونيا المكلّفة بالتنفيذ.

الموضوع الآن لصالح سونيا من الناحية المالية، فهي إن قتلت رود ستظفر بالشيكّ و الّذي قيمته "11" مليون دولار، و الّذي وجدته في محفظة رود، وستحصل على المكافأة الماليّة من صاحبة الملهى، نتيجة تنفيذها لهذه العمليّة. و إن لم تقم بتنفيذها لن تكسب شيئاً مطلقاً، بل ستخسر وستطرد من الملهى. كما أنّ رود سيُقتل عاجلاً أم آجلاً، سواءاً على يدها أم على يد غيرها، وبذلك هي لن تربح شيئاً على الإطلاق.

المسألة معقّدة جداً، ولا وقت الآن للتفكير. فالقرار يجب إتّخاذه بسرعة. هزمت العواطف سونيا في البداية، لتَقل لنفسها أنّها لن تقدم على قتله، و إن قيام شخصاً غيرها بقتله سيكون ذلك أفضل. فحين يُقتل و تسمع بخبر قتله، ستقوم بصرف الشيك لتتمتّع بالثروة الكبيرة. إذاً هي مسألة وقت لا أكثر، تحتاج لبعض الإنتظار.

ولكن هي تعلمُ بطش وغضب صاحبة الملهى، فإن هي لم تقم بتنفيذ العمليّة من المؤكد أنّ صاحبة الملهى ستقوم بقتلها، ولن تكتفي بطردها من الملهى مثلما تعتقد. لذا فهي الآن مجبرةٌ على قتل رود بيدها كما أتفق عليه.


كانت إستضافة المسؤول الكبير في الطابق الأول، حيث لا يُعرف من الفاعل في لحظة قتل المساعد الأول لهذا المسؤول. فالطابق الأول يضجّ بالجمهور الكبير، كما أنّ الإضاءة فيه منخفضة جداً.

بدأ الحفل وجلس كل من المسؤول الكبير و مساعديه الإثنين، مايك و رود. وكانت سونيا تحضّر نفسها لتنفيذ ما طُلب منها، و كان موعد التنفيذ بعد العرض الثالث. لذا لبست سونيا لباس خاص بهذه العمليّة، لكنّها لم تنسى إرتداء الشال الأسود الذي كان يعبق برائحة برفان رود.

العرض الثالث هو عرض يثير الإنتباه والدهشة بشكل كبير، حيث سيقدّم بملابس عسكريّة غريبة، وسَتُعزف معزوفات تحتوي على صوت إطلاق النار و القنابل. أوشك العرض على الإنتهاء، و يجب على سونيا تنفيذ العمليّة قبل إنتهائه.

تنفيذ العمليّة سيتم من الحجرة الصغيرة الثالثة في الطابق الأول، وهي الغرفة المقابلة لحمّام النساء الصغير الذي يمتلؤ بالنساء.حيث وقفت سونيا في المكان المخصّص لتنفيذ العمليّة، وحينما نظرت بإتجاه المسؤول، إبتسمت شفاهها، وفرحت كثيراً! ..

لماذا ؟؟ ما الذي جعل سونيا تبتسم فجاءة؟!



تلعب الصدفة دورها في هذه اللحظة، فإنّ من كان يجب عليها قتله ليس رود، فـ"رود" يجلس من الجهة اليسرى للمسؤول. وإنّ من يجب عليها قتله هو المسؤول الذي يجلس من الجهة اليمنى. لذا هي الآن سعيدة جداً. حينها إستطاعت سونيا شمّ رائحة البرفان الذي يعبق بشالها الأسود الملتف على عنقها.

انتظرت سونيا قليلاً حتى إشارة الصفر. وما هي ألا لحظات حتى تُعطى الإشارة الى سونيا للتنفيذ. لتقوم بإطلاق النار على المسؤول روك حيث اصابته بـ (5) عيارات نارية اصابت مناطق متفرق من الجسم، ليسقط على الأرض غارقاً بدمائه في تلك اللحظة. وبين تلك الأضواء الخافتة في الملهى، لاحظ رود مصدر إطلاق النار دون أن يشاهد من الفاعل، ولكنّه رأى الشال الأسود بوضوح، حينما تمّ إطلاق النار، فإضاءة العيار الناري ومصدره أتاح له رؤية الشال الأسود.

عمّت الفوضى في جميع أركان الملهى، و خرج جميع الموجودين إلى خارج الملهى. و إنتشر رجال الأمن في كل مكان، و ترك المسؤول الكبير الملهى يصحبة رود وحرسه على الفور، و حتى دون إبداء أيّ إهتمام لذلك المسؤول المقتول روك. و الذي يعتبر مساعده الأول، وهذا ما لفت إنتباه الجميع كثيراً.

تمّ التحقيق في القضيّة، ولم يأخذ وقتاً طويلاً. فقد وُصف بالعمل الإرهابيّ البشع، والذي كان يستهدف المسؤول الكبير بالدرجة الأولى. ولكن كانت الرصاصات الـ (5) أقرب إلى قلب روك، المساعد الأول لهذا المسؤول، وأن روك قد قام بعمل بطولي لحمايته معترضاً طريق العيارات النارية الموجهة للمسؤول الكبير كما ذكرت الصحف اليومية، لتقيّد العمليّة في النهاية ضد مجهول. ورك بطل تضحية ونضال.

عاد الوضع على ما هو عليه في الملهى، ودبّت فيه روح النشاط من جديد ، و أصبح الملهى أكثر شهرة بعد هذه العمليّة. إذ أصبح الإقبال عليه اضعافاً مضاعفة، مقارنة بالسابق.

كانت سونيا قد أخذت إجازة مفتوحة من صاحبة الملهى لقاء ما قامت به. فقرّرت الذهاب للتنزّه و الإستجمام، بعد حصولها على مكافأة ماليّة جيدة. ولتأكدها وقناعتها بعدم حضور رود مجدّداً إلى الملهى نتيجة ما حدث، و أنّها لن تظفر برؤيته مرّة أخرى. لكن العكس هو ما حدث تماماً، فـ"رود" أصبح مجيئه يتكرّر كثيراً على الملهى. فهو لم ينسى ذلك الشال الأسود وصاحبته أبداً. كما و أنّ الذي زاد من حضوره هو أنّه رأى الشال الأسود حين أطلق النار على المساعد "روك" . ليدرك أنّ وراء هذا الشال سرّ كبير يجب عليه معرفته، إذ كان على قناعة أنّ صاحبة الشال الأسود مازالت في الملهى، وأنّه سيعثر عليها عاجلاً أم آجلاً.
بقيت سونيا في إجازتها المفتوحة، ولكن لم يغبْ رود عن بالها ولو للحظات، ولم تترك الشال أبداً. فرائحة البرفان ما زالت عالقةً في الشال. كما وأنّ محفظة رود ما زالت معها، لذلك قرّرت أن تحصل على معلومات عنه. فجعلت تعيد تفتّيش المحفظة ثانيتاً لعلّها تجد ما يوصلها له. ولكن لم تجد في المحفظة غير صورةٍ شخصيّة له، وقصاصاتٍ ورقٍ صغيرة مكتوب عليها تواريخٌ مستقبليّة. وما لفت إنتباهها هو وجود قصاصةٍ منها مسجّل عليها تاريخ اليوم الذي تّمت فيه العمليّة. أضف إلى ذلك أنّها قد أضاعت الشيكّ و الذي قيمته أحد عشر مليون دولار، ليصبح بعد ذلك من المستحيل أن تستطيع إرجاع المحفظة لـ"رود".

آخر أيام إجازتها، وبينما هي تجلس على شاطئ البحر، صدف تواجد رود أيضاً على الشاطئ نفسه. لم تلاحظ وجوده مطلقاً، لكن رود لاحظ شالها الأسود الذي لم تنزعه مطلقاً، ثمّ أمعن النظر به جيداُ، لتعود به الذاكرة لتذكّر ملامحها.

أسرع رود بإتجاهها على الفور. حيث تفاجأت سونيا كثيراً بقدومه نحوها، مما دبّ الخوف في أجزائها اكثر من شعورها بالفرح، فقد إعتقدت أنّه قد يكون رآها حين أطلقت النار على المساعد روك، أثناء العمليّة التي تمّت في الملهى.

لحظات حتى كان رود أمام سونيا أذ لم تستطيع الهرب أو الذهاب ليسألها وعلى الفور عن إسمها مباشرة ودون حتى القاء التحية عليها، لتتلكك سونيا وتنسى إسمها جرّاء هذا السؤال المفاجئ. فلم تجبه على سؤاله. ليسألها ودون ان يعرف إجابة السؤال الأول عن الشال الأسود، لتجيب بأنّه لها. إستأذنها بالجلوس معها قليلاً، فسمحت له مستغربةً وخائفةً ممّا يحدث، فألفُ سؤالٍ يدور في ذهنها في تلك اللحظات.

بدأ رود يسألها عن مكان عملها، وحين ذكرت له أنّها تعمل في الملهى الليلي ذاته، جعل يضحك بطريقة غير طبيعيّة، مما أثار الإستغراب أكثر في نفس سونيا، لتسأله عن سبب ضحكه. فأخبرها رود القصة من بدايتها، وحتى إلتقاءه بها الآن. تفاجأت سونيا بذلك، ولكنّها لم تخبره عمّا كان منها، وتظاهرت بعدم الإهتمام، وأنّه معجبٌ من بين الآف المعجبين.

إنتهى اللقاء ليأخذ رود من سونيا موعداً آخر في الملهى للإتقاء بها ورؤيتها مجدداً، حيث كان في مساء اليوم التالي.

في المساء ومن اليوم التالي جهزّت سونيا نفسها ولبست أجمل اللباس، وكانت بإنتظاره في الطابق الثالث من الملهى على فارغٍ من الصبر. ولكن عندما وصل رود كان وكأنّه لم يراها مطلقاً، إذ جلس على طاولة القمار يتلفّت يميناً وشمالاً، وكأنّه يبحث عن شخص معين.

جاءت سونيا وسلّمت عليه فردّ عليها السلام بطريقةٍ عاديّةٍ جداً. تفاجأت سونيا بذلك. كانت تعتقد أنّها ستكون معه هذه الليلة، لكنّه لم يعرها أيّ إهتمام، وذهب ليجلس على طاولة منفردة، يقلّب أنظاره بين الموجودين. وبقي لفترة طويلة وكأنّه ينتظر أحداً ما. ذهب بعد ذلك إلى الإستقبال في الطابق الثالث ليسأل، وقف لوقت أمام رجل الإستقبال بتردد دون كلام يريد أن يسأله، ولكن لا يدري عن ماذا؟

إنّ ما يثير الإستغراب أن رود كان يريد السؤال عن سونيا، ولكن هو لم يعرف إسمها. وكل مايعرفه مكان عملها في الملهى. وبرغم أنّ سونيا موجودة أمامه، إلا أنّه لم يرها. ولا نعرف ما هو السبب. ثمّ قرّر أن يسأل رجل الإستقبال عن فتاةٍ جميلة تعمل هنا في الملهى، و تلبس شالاً أسوداً. لكن رجل الإستقبال لم يفده بشيء مطلقاً. ليترك رود الملهى معتقداً أنّ سونيا لم تأتي هذه الليلة على موعدها.

كانت سونيا في ذلك الوقت تراقبه من بعيد. فحين غادر رود الملهى، ذهبت إلى رجل الإستقبال تسأله عمّا كان يسأل عنه هذا الرجل، فأخبرها أنّه يبحث عن فتاةٍ تعمل هنا و ترتدي شالاً أسوداً، وكأن لا يعلم ما اسمها.

فأستغربت سونيا كثيراً، كون أنّ من يسأل عنها تكون هي نفسها سونيا. فلحقت به على الفور تاركةً عملها وقبل صعوده بسيارته، نادت عليه، فأدرك صوتها، لينظر فيراها قادمة نحوه.

عاتبها حينها لتأخّرها عن موعدها. صمتت سونيا للحظات، لتقرّر بعد ذلك أن تأخذه إلى مكانٍ آخر بعيد عن الملهى. فعرضت عليه أن تصطحبه إلى منزلها، ليوافق رود على الفور، ثم ركبا السيارة وأنطلقا بإتجاه منزل سونيا. وفي الطريق إلتزمت سونيا الصمت، وأخذت تفكّر برود. حتى وصولهما إلى منزلها، إنّ ما يلفت الإنتباه أنّ سونيا لم تخبر رود عن عنوان منزلها، إلا أنّه أوقف سيارته أمام العمارة التي تقل منزلها.

نزلا سونيا و رود من السيارة، وصعدا إلى الشقّة و التي كانت في الطابق الثالث عشر. دخل رود وجلس في الصالون، وذهبت سونيا لتحضّر فنجاناً من القهوة، ليبقى رود جالساً ينظر إلى الصور المعلّقه على جدران منزلها، والتماثيل الحجريّة المكسّرة و التي كانت تنتشر في كل مكان من المنزل.

أحضرت سونيا القهوة، وجلسا يتحدّثان سويّاً. فبدأ رود يعاتبها. فسألها لما لم تأتي إلى الملهى كما هي أخبرته مسبقاً. حاولت سونيا الشرح له، و بأنّها كانت موجودة، و حاولت الحديث معه في الملهى أكثر من مرّة، ولكن هو لم يعرها أيّ إهتمام. إستغرب رود من هذا الحديث كثيراً، و أدرك أنّ هناك سرّاً كبيراً وراء ذلك.

عادت سونيا للحديث من جديد بأنّها معجبةُ به منذ فترة، وأنّ رائحة البرفان الذي كان يضعه هي السبب في إعجابها. بدا على رود وكأنّه لم يصدّقها، كما وأنّه لم يكن سرّ إهتمام رود بها الإعجاب أو العشق، ولكن كان يريد التعرّف عليها لكونه عندما رآها أول مرّة خارج الملهى، شعر و كأنّه رآها من قبل، لذلك أراد معرفة من هي و من تكون.
بدأت سونيا بالحديث له عن نفسها، وكيف هي حياته. ليعجب رود حينها بسونيا، ولكنّه كان خائفاً منها بعض الشيء، فطلب منها التعرّف على البيت. وبالفعل قامت سونيا بإطلاعه على البيت كاملاً، لحين دخولهما إلى الغرفة الصغيرة المليئة بأوراق الجرائد، والتي لم تكن سونيا ترغب بأن يراها. إستغرب رود من هذه الجرائد، لكنّه لم يسألها عن حكايتها. وبينما هم في هذه الغرفة حتى بدأت الإثارة الجنسيّة، لتعانق سونيا رود ويبدأ بينهما الإتصال الجنسي في تلك الغرفة، وعلى أوراق الجرائد تلك، وضوء القنديل ولكن دون ان يكشف عن صدرها (نهداها).

بعد الإنتهاء إنطفأ القنديل لوحده، ولكن سونيا لم ترى الطفل ولم تسمع صراخه المعتاد، والذي كانت تراه على المرآة المعلّقة على جدار الغرفة في كل مرّة تقوم بها بالإتصال الجنسي مع الرجال التي كانت تصطحبهم من الملهى. وهذا ما أثار تفكير سونيا كثيراً وجعلها تطرح على نفسها أسئلة كثيرة وسريعة، لم تجد لها أي إجابة في ذلك الوقت. ليخرج رود وسونيا من الغرفة بعدها ومضاهر الارتباك تملأ وجه رود

أمضت سونيا الليل كلَه بصحبة رود وكانت سعيدة جداً. ولكن مهلاً لقد سمع رود صراخ الطفل لكن دون أن يراه، فأعتقد أنّه من طابع الهلوسه لا أكثر. و حينما أقبل الصباح غادر رود منزل سونيا، وأخبرها بأنّه سوف يلتقي بها مساءاً في الملهى.

حين خيّم المساء، كانت سونيا في الملهى على رأس عملها، وبإنتظار رود. تأخّر رود ليلتها عن موعده قليلاً، وحينما وصل جاءت سونيا تراقبه من بعيد، وهو يبحث عنها. ثمّ إعترضت طريقه لتسلّم عليه ولكنّه سلّم عليها بطريقة غريبة، وكأنّه لم يعرفها على الإطلاق. حاولت سونيا الشرح له، لكنّه لم يتعرّف عليها وتركها ليسأل رجل الإستقبال عنها، فأخبره رجل الإستقبال بأنّ سونيا تلك التي تقف هناك، فقال رود: "لا ليست هي". فأخبره رجل الإستقبال أنّه لا وجود لفتاةٍ أخرى بهذا الإسم وبهذه الأوصاف غير تلك الفتاة. ولكن رود ضلّ مصرّاً بأنّها ليست هي التي يبحث عنها.

أدركت سونيا وقتها أنّ رود لا يراها مطلقاً في الملهى، أو أنّه يراها بصورةٍ فتاةٍ أخرى. حينها أخبرت سونيا رجل الإستقبال أن يخبر رود بأنّ سونيا تنتظره خارج الملهى وذهبت.

أخبر رجل الإستقبال رود بما قالته له سونيا، وبالفعل نزل رود لحظتها مسرعاً كما أخبره رجل الإستقبال، ليجد سونيا في الخارج تنتظره، ليبدأ رود بمعاتبة سونيا مرةً أخرى على تأخّرها، لتقوم سونيا بشرح كل ذلك له، وأنّه لا يراها داخل الملهى، وأنّها مشكلة لا يمكن حلّها.

بينما هما يمشيان في أزّقة المدينة إذ بعرّافة قبيحة المنظر تجلس على ناحية الطريق تقرأ الطالع للمارّين. فوقفا أمامها لتقول لهما أنّكما لا ترون بعضكما أبداً، فشعرا بالخوف. وبالأخص رود. في حين أنّ وضع سونيا كان عاديّاً جداً.

سألت سونيا العرّافة عن الحل، فأخرجت العرّافة من حقيبتها إسوارتين فضيّتين، وقالت لهما: إذا ما لبستما هاتين الإسوارتين سستحلّ مشكلتكما، وسيكون بإمكانكما رؤية بعضكما في أيّ وقتٍ وأيّ مكان.

لم تصدّق سونيا ذلك برغم أنّ رود إقتنع بهذا الشيء. فأخذا الإسوارتين وأرتدياها وعادا إلى الملهى. وبالفعل كانت العرّافة صادقة، فقد تمكّن رود أخيراً من رؤية سونيا في الملهى. ليبدأ إهتمامه يزداد بسونيا، ولكن ليس بسبب الحب والعاطفة، إنّما كان يشعر بشعور غريب جعله يشعر بأنّ هناك سرّ كبير وراء سونيا.

يكلّف المسؤول رود بالذهاب لمدّة أسبوع لأداء مهمّة رسميّة، ليخبر سونيا بذلك هاتفياً. فأستاءت سونيا من هذا، وطلبت منه أن يقضي هذه الليلة معها، ليوافق رود على طلبها وقد كانت سونيا قد أخذت إجازة ليلتها للتحضير لسهرة جميلة وممتعة في منزلها برفقة رود.

كل شيْ على ما يرام، و كل شيء كان جاهزاً في المنزل إلا الجرائد التي في تلك الغرفة، والتي يجب عليها تبديلها. فذهبت لتحضر الجرائد، ولكن لسوء الحظ لم تعثرعليها. وبينما هي تبحث وصلت عند بائع اللحمة (الجزّار)، والذي كان يلفّ اللحمة باوراق الجرائد. فطلبت منه جميع الجرائد التي بحوزته، وأنّها سوف تعطيه المال مقابل إعطائه إيّاها، فقام بائع اللحمة بإعطائها جميع ما يملك من الجرائد، و رجعت إلى منزلها لتفرش الغرفة بهذه الجرائد. ولكن تفاجأت أنّ معظم هذه الجرائد كانت ملطّخه بالدماء، ولكن سونيا كانت مجبرة على إستخدامها، لكونها كانت تريد حلّ اللغز الذي كان يحدث معها دائماً في تلك الغرفة، ومع رود بالذات. ففرشت الغرفة بتلك الجرائد الملطّخة بالدماء.

أقبل المساء، و وصل رود المعشوق على موعده. وكانت سونيا قد جهزّت نفسها لسهرة ممتعة معه. تناولا العشاء وجلسا يتبادلان الحديث، حيث كانت سونيا تتكلّم كثيراً عن نفسها من أجل لفت إنتباه رود لها أكثر. فسونيا تتمنى الإرتباط به كثيراً. بعكس رود فلم يكن يفكّر في الإرتباط منها مطلقاً، فقط كان رود مرتبطاً ولم تعلم سونيا بذلك.

دخلت سونيا مع رود إلى تلك الغرفة، وقد كانا يشعران بالإشمئزاز من تلك الجرائد، و ذلك لأنّها ملطّخة بالدماء. كان حب رود للمعرفة يدفعه كثيراً لتنفيذ ما تطلبه منه سونيا، فهو يريد معرفة من هي سونيا. لا نعرف الأسباب، و لماذا يريد رود ذلك؟ ولكن هذا ما كان يبدو عليه.


حاول رود الخروج من الغرفة حينها، لكن جمال سونيا وجسدها الذي يفوح برائحة العطر، أجبره على البقاء. وبالفعل مارس الجنس معها على تلك الجرائد الملطّخة بالدماء، وعلى ضوء قنديل الزيت، بصورةٍ مثيرةٍ جداً وعنيفة. ولكن دون أن يكشف عن صدرها (نهداها) أيضاً، و لأول مرّة يشعران هما الاثنين بمذاقٍ خاص للجنس. فعند إنتهائهما إنطفأ القنديل. ولكن سونيا لم تسمع صوت الطفل، ولم ترى صورته على المرآة. وهذه المرّة الثانية التي تمارس الجنس مع رود ولم ترى ما كانت تشاهده من قبل.

ولكن مهلاً، لقد شاهد رود ذلك. فقد رأى الطفل وسمع صوت صراخه، لكنّه لم يقل لسونيا أي شيء رآه أو شعر به. ولا يريد لسونيا أن تشعر أو تعلم بذلك. فقد إعتقد أنّ ما حدث لم يحدث من قبل مع سونيا، لذلك لجأ للخروج على الفور من الغرفة.

لاحظت سونيا ذلك، وحاولت أن تقيم علاقة جنسية مع رود مرّة أخرى، ولكن رود لم يرغب بذلك، جراء ما رآه وسمعه في الغرفة.

لم يبقى رود كثيراً عند سونيا، وقرّر الذهاب. حاولت سونيا معه، وأن يمكث معها حتى الصباح، لكن رود رفض ذلك وتحجج بأنّ موعد سفره سيكون باكراً. وبالفعل ذهب رود وبقيت سونيا لوحدها سعيدةً بالوقت الذي أمضته مع معشوقها.

سافر رود وعادت سونيا إلى عملها المعتاد وهي في شوقٍ كبير له، بالرغم من أنّه لم يهاتفها أو يتّصل بها. كانت سونيا كلّما مضى الوقت أكثر في غيابه، تشتاق له أكثر، وكأنّها تعدّ الأيام لعودته. إنقضى أسبوع كامل على سفره ولم تسمع عنه أيّ خبر. كما أنّه قد أخبرها بأنّ سفره لأسبوع واحد فقط، وقد مضى يوم وتلاه الأخر ولكن دون ايّ أثر له. قلقت سونيا كثيراً من ذلك، فـ رود قد تأخر كثيراً عن موعد عودته.

بعد إنقضاء أسبوع كامل على الموعد الذي كان مرتقباً له العودة فيه. عاد رود إلى الملهى و وصل الى الطابق الثالث، وقد كان يبدو عليه الشوق لسونيا. إذ غمرت سونيا الفرحة والسعادة عندما رأته، وجلسا يتحدثان حديث الشوق والعتاب، وقد شعرت سونيا بأنّ رود بدأ يشتاق لها، ولكن رود أخبرها بأنّه متزوج ليلتها. كادت سونيا أن تنهار جرّاء هذا الخبر، والذي كانت بمثابة كارثة حقيقيّة لها. ولكنّها لم تبدي له أيّ إهتمام وتظاهرت بعدم المبالاة بذلك، لتنظر إلى يديه فلا تجد الإسوارة.

لفت هذا إنتباه سونيا كثيراً، ولكنّ رود كان قد فقدها بعد عمليّة الجماع التي تمّت بينهما. و أصبح الموضوع عاديّاً، وأنّه يمكن أن يراها في أي مكان.

بعد ذلك أخبرها رود بأنّه سوف يغيب عنها ليومين، خافت سونيا من غياب رود كثيراً، و أدركت أنّه في خطرٍ كبير بعد أن أخبرها بأنّه أصبح المساعد الأول للمسؤول الكبير. ممّا زاد خوفها عليه أكثر. فطلبت منه أن يترك العمل عند هذا المسؤول الكبير، و الذي تعرف كم هو خطير.

لكنّ رود لم يعرها أيّ إهتمام، و أخبرها أنّه أصبح الآن ذو مكانة رفيعة، وأنّ هذا المسؤول الكبير لا يذهب لأيّ مكان إلا برفقته، وأنّه في نهاية هذا العام سيكون برفقته لحضور حفلٍ كبير في ملهى مشهور، لكن هذا زاد من خوف واقلق سونيا أكثر و أكثر.

ينتهي اللقاء، وغاب رود ليومين كما قال. وأثناء ذلك كانت سونيا منشغلة به، إذ كانت تقول في نفسها أنّه من المستحيل أن تلتقي أو تظفر به طوال عمرها، وأنّه سيقتل عاجلاً ام أجلاً إذا ما بقي برفقة ذلك المسؤول الكبير، مثلما حدث مع رفيقه المساعد السابق روك.

يعود رود بعد يومين إلى الملهى، لتسر سونيا بعودته وجلسا لساعةٍ تقريباً، لتخبره سونيا أنَها تريد الإحتفال به في ليلة إثارةٍ صاخبة في منزلها نهاية هذا الاسبوع.

قبل رود على الفور ورحّب بذلك. ليذهب بعد ان أخبرها بأنّه لن يتمكّن من رؤيتها قبل موعدهما، ممّا أزعج هذا سونيا كثيراً. ولكنّه أقنعها بأنّه سيغيب بسبب العمل، وهو مظطر لذلك.



بقيت سونيا طوال الأسبوع وهي تجهّز لتلك الليلة، والتي ستكون ليلة العمر بالنسبة لها. فقد قرّرت أن تنجب منه طفلاً. و كانت أول تجهيزاتها أنّها فرّغت تلك الغرفة من الجرائد، وفرشتها بفراشٍ يليق بها. ونقلت القنديل والمرآة إلى غرفة النوم، وقرّرت أن تنام معه في غرفة نومها وعلى سريرها.

هذه الليلة ستكون موعد حضور رود، وقد كانت سونيا قد جهزّت كل ما يلزم من مأكولاتٍ ومشروبات، ولبست أجمل ملابسها، لتبدو سونيا في تلك الليلة أجمل من القمر.

دقّت الساعة ليحين موعد قدوم رود. رنّ جرس الباب ليعلن وصوله في الموعد تماماً، و دون تاخير. موسيقى هادئة، وأشياء كثيرة قد غيّرتها سونيا في البيت. فجميع صور الحيوانات التي كانت معلّقة على الجدران قد أتلفت، و علّق مكانها صوراً للورود والأنهار، والطبيعة. و تلك التماثيل المكسّرة أيضاً قد إختفت ليحلّ مكانها فازاتٌ ملوّنة وجميلة. اضف الى ذلك زهرة الاركيدة التي اخذت مكانها في غرفة النوم.

أصبح البيت أكثر راحةً وطمأنينة. أضف إلى ذلك رائحة الأطعمه الشهيّة، وسونيا التي تبدو أكثر جمالاً ممّا كانت عليه من قبل.

تناولا العشاء وقد بدا على رود أنّه كان جائعاً جداً، و رقصا على صوت الموسيقى الرومنسيّة، وتبادلا القبل على الشفاه. لحين ذهابهما إلى غرفة النوم. حينها شعر رود بالراحة أكثر عندما وجد نفسه في غرفةٍ غير تلك الغرفةِ المثيرةِ للخوف.

بدأ الإتصال الجنسيّ، والذي بدا أكثر متعةً وإثارة على ضوء القنديل. فقد إستمرت عمليّة الجنس لفترةٍ طويلة، ولكن دون أن يكشف عن صدر (نهدي) سونيا. كان الإثنان خلالها في قمّةِ إستمتاعهما، لحينِ خروج السائل المنويّ وتلقيح البويضة، كما خطّطت سونيا. ليحدث ما لم يكن متوقّعاً على الإطلاق، فقد إنطفأ ضوء القنديل ليسمع الإثنان صراخ الطفل بصوتٍ عالٍ، و يشاهداه على المرآة أيضاً.

ملأ الخوف قلبهما في تلك اللحظة، لتقوم سونيا بإشعال الضوء، لتسكن قلوبهم بعض الشيء وتهدأ. لم يسأل رود سونيا عن أيّ شيء، وتظاهر بعدم سماعه أو رؤيته لأي شيء. كما فعلت سونيا أيضاً ذلك. فكل واحدٍ منهما جعل يحسب أنّه رأى وسمع ذلك لوحده، إذ إعتقدا بأن المتعة الفائقة في الجنس أوصلتهما الى درجة الهذيان والهلوسة.

إستلقت سونيا بجانب رود على السرير، وأخذت تلعب في شعره، لتقول له سراً خطيراً جداً، إذ أنّ سونيا ستقوم بإخباره بحادثة الملهى، وإغتيال المساعد المسؤول روك. وأنّها هي من قامت بإطلاق النارعليه وقتله بتكليفٍ من صاحبة الملهى. و أنّ العمليّة الثانية سيكون هو المستهدف فيها. و ذلك لأنّ المسؤول عنه يقتل كل الأشخاص الذين يخاف منهم على مركزه ومكانته.
تغيّر وجه رود حينها بسرعة، ليخبرها بأنّه مضطّر للمغادرة، فقد تذكّر شيئاً مهمّاً ويجب عليه الذهاب. خافت سونيا من ذلك كثيراً، وحاولت معه ليبقى حتى الصباح. و لكنّ رود أصرّ على أن يذهب، و تظاهر بحاجته الماسّة للذهاب.

تركته سونيا يذهب. وكانت تنتابها مشاعر السعادة والحزن في آن واحد، سعيدة لأنّها حصلت على ما تريد، و أمضت وقتاً جميلاً بصحبة رود، وحزينة لأنّها شعرت بأنّها لن تراه مرّة أخرى. إذ أخافها هذا الشعور الغريب كثيراً، لتنام وهي خائفة.

مساء اليوم الثاني ذهبت سونيا إلى عملها، وكانت سعيدة جداً حيث أنها قدّمت في ليلتها عرضاً للتعرّي، حاز على إعجاب الجميع من الجمهور. لم ترى رود ليلتها، وقد قلقت كثيراً عليه. إنتظرت لليوم الثاني ولم يحضر رود أيضاً كما هو معتاد. ومرّ شهر كامل وسونيا لا تعلم عنه أيّ شيء.

إقتربت ليلة رأس السنة كثيراً، وهذا الذي أخاف سونيا أكثر. فهي لم تراه منذ فترة طويلة، وقد كانت مشتاقة له كثيراً وكانت تفكّر به طوال الوقت، وتترقّب حضوره في كلّ لحظة إلى الملهى. وبينما هي في العمل سقطت مغميّاً عليها، ليأخذوها إلى المشفى، فيتبيّن بأنّ سونيا حاملٌ بالشهر الأول.



فرحت سونيا كثيراً لهذا الخبر، ولم تصدّق نفسها في تلك اللحظة، ممّا جعلها تأخذ إجازةً من الملهى لتحافظ على حملها. و مع شوق سونيا الكبير لرود، إزدادت شوقاً لمولودها المنتظر.

مرت الايام بسرعة فهذه هي ليلة رأس السنّة، والتي سيقتل فيها رود بالتأكيد كالمساعد روك حسب توقعات سونيا. كانت ليلةً مشؤومةً من وجهة نظر سونيا، لذا قرّرت أن تذهب لتتمشّى، فالبيت يزيد من توتّرها. لذلك لبست بنطالها الذي كانت ترتديه ليلة تجهيز الملهى لإستقبال المسؤول. ولكن البنطال كان يبدو ضيّقاً عليها قليلاً. وضعت يدها في جيب بنطالها فوجدت الشّيك الذي أضاعته، والّذي كانت قيمته (11) مليون دلار. إنتاب سونيا حينها الفرح لكونها وجدت الشيك بعد كلّ هذه الفترة، وهي بذلك ستحصل على الكثير من المال والذي سيؤمّن لها مستقبلها ومستقبل طفلها الموعود.

بقيت سونيا ليلتها في البيت ولم تخرج، و جلست في شرفة منزلها حتى الصباح، وهي قلقة للغاية و تشعر بالخوف الشديد. أشرقت الشمس وكانت سونيا ما تزال نائمة على الشرفة. وحينما استيقظت، ذهبت على الفور لشراء الجرائد، وذلك لتعرف إن كان رود قد قتل أم لا.

اشترت سونيا الجريدة لتطالع على صفحتها الأولى عنواناً يحمل خبر "مقتل مسؤول مهم ليلة البارحة في أحد النوادي الليليّة". رمت سونيا الجريدة دون أن تقرأ تفاصيل الحادثة، وعادت إلى المنزل وهي تبكي. رغم تخلّي رود عنها و اختفاءه المفاجئ، إلا أنّها كانت ما زالت تحبّه ولم تنسى أبداً أنّه والد طفلها القادم.

في اليوم الثاني ذهبت سونيا وهي خائفة لتصرف الشّيك، والذي قيمته 11 مليون دولار. تمّت الأمور على ما يرام، وصرف الشّيك بكل سهولة. ليصبح مع سونيا الآن ثروة مقدارها 11مليون دولار، و تصبح هي الآن من الأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال. و رغم ذلك بقيت سونيا في عملها في الملهى كالمعتاد، فهي تحب هذا المكان كثيراً.

أنجبت سونيا طفلاً جميلاً يشبه والده كثيراً أسمته بــ (اثيودار). كانت ملامح الذكاء واضحة على وجه هذا الطفل، تماماً كوالده. لكنّه كان جباناً، إذ كان يخاف أن يبقى في البيت لوحده، لذلك كانت سونيا تضطر لاصطحابه معها إلى الملهى.

كان اثيودار كثير الجلوس لوحده، وبعيداً عن هذا العالم. فرغم أنّه جبان إلا أنّه يحب الجلوس لوحده، ولا يحب الكلام مع الآخرين إطلاقاً. و كان كثيراً ما يرى أمّه سونيا تصطحب معها رجالاً مسؤولين إلى المنزل، وتمارس الجنس معهم. وهذا كان أمراً طبيعياً بالنسبة له. هذا و أنّنا لا ننسى بأنّ سونيا قد عادت إلى عاداتها السابقة، غرفتها والقنديل والمرآة وتلك الجرائد لتمارس طقوسها الجنسيّة. و لكن بعد قدوم اثيودار لم تعد سونيا تسمع صراخ الطفل كما في الماضي. كما وأنّ سونيا كانت تصطحب هؤلاء الرجال للمتعة فقط لا غير.
كان اثيودار كثير المتابعة في الملهى لهؤلاء المسؤولين، وكان كثيراً ما يراهم و هم يقومون بالاحتيال والغشّ على طاولة القمار في بعض الاحيان، لدرجة أنّ مسؤولاً منهم كان يلاحظ بأنّ اثيودار يتابعه وهو يغشّ في اللعب، لذلك كان كثيراً ما يطلب من سونيا إخراج طفلها، وعدم اصطحابه إلى هنا مرة ثانية ولكن سونيا كانت ترفض ذلك .

وفي أحد الأيام اصطحبت سونيا هذا المسؤول إلى منزلها لتمارس الجنس معه، وبينما كانت سونيا تحضّر نفسها لإقامة العلاقة الجنسية في تلك الغرفة، إذ بإثيودار يصرخ على هذا المسؤول بأن يخرج من المنزل، و لكنّ المسؤول لطم إثيودار لطمه قوية، ليقع على الأرض ويغمى عليه. خرجت سونيا على الفور وقامت بطرد هذا المسؤول وأخذت إثيودار إلى المستشفى.

استيقظ إثيودار في المستشفى بعد إسترجع قواه تماماً، و قد طمأن الطبيب سونيا عليه وأخبرها بأنّه قد أصيب بكدمات بسيطة إثر وقوعه، و أنّه يحتاج ليومين ليتعافى تماماً.

تحسّن اثيودار، وكانت سونيا قد قطعت عهداً على نفسها أنها لن تصطحب إلى منزلها أي رجل مهما كان. وهذا القرار أسعد اثيودار الطفل كثيراً. و رغم ذلك بقي اثيودار حاقداً على المسؤولين بعد هذه الحادثة.


تابعت سونيا عملها في الملهى، وكانت كثيرة الاهتمام باثيودار. وقد كان حلمها بأن يصبح طبيباً مشهوراً في المستقبل، وأن يكون بعيداً عن عالم السياسة وشباكها.

أصبح اثيودار بالثانية عشر من عمره، وقد كان ذكاءه يزداد يوماً بعد يوم. و لكنّه لم يستطع التخلص من مشكلتي الخوف والجبن بل بالعكس، كانت المشكلة تتزايد باستمرار.

ذات يوم سأل اثيودار أمّه سونيا عن أبيه، من هو و من يكون، و أين هو الآن. التزمت سونيا الصمت حينها لبضع الوقت، ثم و ذهبت إلى غرفتها لتحضر من خزانتها صندوقاً صغيراً، فتحته و أخرجت منه محفظة و السوار الفضة، و جلست لتخبر اثيودار عن قصتها مع والده، كيف أنّ والده كان مسؤولاً كبيراً، و قد قتل في إحدى ليالي رأس السنة.

أخذ اثيودار المحفظة وبدأ يفتشها، و لكنّه لم يجد بها غير قصاصات الورق المؤرخة بتواريخ مستقبليّة، والتي كان من ضمنها ورقة حملت تاريخ ليلة رأس السنة التي ذكرت والدته سونيا بأنّ والده قد قتل فيها.

تركت سونيا الملهى، وتفرّغت لتربية اثيودار وتعليمه. و ذات يوم إستلمت مكالمة هاتفية من الملهى لتخبرها بأنّ هناك رجلاً يسأل عنها كثيراً، ويريد رؤيتها بأسرع وقت ممكن، و أن الموضوع ضروري جداً ولا يحتمل التأجيل.
قلقت سونيا وشعرت بالإستياء من ذلك. ثمّ أخبرت رجل الاستقبال في الملهى أن يعطي عنوانها لذلك الرجل إن عاد مرة أخرى.

بالفعل أخبر رجل الاستقبال ذلك الرجل بعنوان سونيا، ليذهب هذا الرجل على الفور إلى منزلها. رنّ جرس الباب، ليفتح اثيودار الباب وسأله من هو و من يريد. فأجابه الرجل بأنّه من أصدقاء والدته سونيا ويعرفها منذ زمن طويل. سأله اثيودار إن كان رجلاً مسؤولاً، ليجيبه بنعم، "أنا رجل مسؤول".

يدخل اثيودار ذلك الرجل إلى الصالون، ويذهب لينادي أمه وهو مستاء جداً، لأنّه إعتقد بأنّ أمّه قد عادت إلى عادتها القديمة.

تأتي سونيا على الفور لتتفاجأ بأنّ هذا الرجل هو أدور الشاب العاشق الذي رمت به إلى السجن ظلماً، قبل خمسة عشر عاماً.

خافت سونيا كثيراً، فـ أدور تبدو عليه بوادر الغضب والانتقام. طلبت سونيا من اثيودار أن يدخل غرفته و لا يخرج منها. لتسأل بعد ذلك ادور، عمّا يريده منها، و السبب الذي أتى به إليها. فردّ بأنّه يريد حقّه منها وعمره الذي أهدر في السجن بسببها.

ضحكت سونيا من كلامه، ليقوم أدور منفعلاً و يخرج سكيناً من جيبه محاولاً قتلها. تصرخ سونيا وتحاول الهروب منه، فيخرج اثيودار من غرفته ليرى أدور وهو يقوم بطعن أمّه بتلك السكين عدّة طعنات، ويقوم بالهرب بعدها. ليعترض اثيودار طريقه، فيقوم بلطم اثيودار و يوقعه على الأرض وقد غمي عليه.

إستيقظ اثيودار ليجد أنّ أمّه سونيا قد فارقت الحياة، كبر الخوف بداخله و كره كل من هم حوله، و ازداد حقده أكثر وأكثر على المسؤولين. هذا وان سونيا كانت تشعر وكأنّ مكروهاً سيقع لها، لذلك إتفقت مع إحدى العائلات لتقوم بتربية اثيودار في حال حدث لها شيء معين. و قد قامت بإعطائهم المال الكافي لذلك.

وفعلاً، بعد مقتل سونيا، أخذت هذه العائلة اثيودار عندها، و قد كانت عائلة بسيطة، يملؤها الحب والسكون، و تتكون من صاحب المنزل و زوجته التي لا تنجب أطفالاً. لذلك كانوا يحبّون اثيودار كثيراً، ويخافون عليه كما لو كان ابنهما تماماً. ومع ذلك اثيودار لم يحبّهم وكان يخاف منهم.

زاد خوف اثيودار من المسؤولين وحقد عليهم، و أيقن تماماً أنّ وجود مثل هؤلاء المسؤولين خطر على العالم أجمع. فما حدث أمامه يملؤه خوفاً و رعباً أكثر، ليتصوّر نفسه أنّه صاحب دمار شامل في هذا العالم. لذلك تكرّر على ناظره وهو نائم حلم غريب بعض الشيء، إذ كان حلمه يصوّر له دماراً شاملاً، يكون هو القائم عليه. ولكن كيف؟ و اثيودار جبان جداً.



كبر اثيودار و أصبح شاباً وسيماً جداً يشبه والده في كثير من الصفات، إلا أنّه شخص جبان. وبالفعل حقّق اثيودار حلم والدته سونيا بأن تراه طبيباً كبيراً ومشهوراً. حيث تخصّص بهندسة الجينات الوراثية، وعمليات دمجها و إخصابها وتكوّنها.

عمل اثيودار في مستشفى كبير ومعروف لطبقة النبلاء. وفي ذات يوم أتته حالة لفتاة كانت مصابه بانهيار عصبي حادّ، نتيجة قتل والدها. و قد قام اثيودار على علاجها و الإشراف عليها بنفسه.

كانت تلك الفتاة جميلة جداً، ذات قلب طيب وحنون، تشبه في جمالها جمال أمّه سونيا . والأجمل من كلّ هذا أنّ اسمها كان سوفيا ، اسم يذكّره بأمه سونيا دائماً.

كان اثيودار يتابع حالتها باستمرار، و حينما استعادت صحّتها تعلّقت به. فقد كانت سوفيا تلاحظ اهتمامه بها، و هذا الاهتمام الكبير شغف قلبها بحب اثيودار في هذه المدّة القصيرة . إذ كانت تشعر بأنّها تعرفه من قبل، و أنّها التقت به في مكان ما. و لكن أين؟ ومتى؟ ، لم تستطع سوفيا تذكّر ذلك.

في اليوم الأخير لسوفيا في المستشفى، جلس اثيودار معها، يسألها عن سبب حالتها تلك، وما لذي أدّى إلى إنهيارها. أخبرته سوفيا عن قصّتها، و أنّ والدها كان مسؤولاً كبيراً له سلطته، و قد كان شقيقها الأكبر المساعد الأول لوالدها. و هذا الشقيق هو نفسه الذي قام بإغتيال والدها ليأخذ مكانته و يتولّى سلطته. و هذا هو سبب إنهيارها.

استاء اثيودار من ذلك كثيراً، وحاول الابتعاد عن سوفيا لكونها ابنة مسؤول، وهو يكره المسؤولين كثيراً، ويرفض أيّ علاقة بهم. لذلك حاول اثيودار الابتعاد عن سوفيا ابنة المسوؤل الكبير المغتال وشقيقها. فبعد خروج سوفيا من المستشفى بقيت تتردد كثيراً على اثيودار في المستشفى وعيادته الشخصية، إلا أن اثيودار كان لا يبادلها أي اهتمام بعد معرفته لقصتها.

كان حلم اثيودار وهو صغير لا يفارق خياله أبداً، إذ بدأ يسعى له ويحاول تحقيقه، ولكن كيف؟ بقي هذا السؤال هو العقبة الكبيرة التي تواجه اثيودار. فبرغم ان اثيودار طبيب معروف ومشهور جداً، إلا أنّه لا يستطيع فعل أي شيء، فهو ذو شخصية ضعيفة غير مبالية بالأمور بعكس والده رود. لكن الحقد الذي بداخل اثيودار يجعله أكثر إصراراً على تحقيق حلمة المدمّر والذي يبيد الكثير من البشرية، التي لا علاقة لها على الإطلاق.

بقي اثيودار يفكر كثيراً في حلمه، ويصرّ عليه. إذ لم يكن هناك طريقة إلا وقد فكر بها. لحين توصّل إلى أن تحقيق حلمه مرهون بطفل، و يكون ابناً له يحقق له حلمه. لذلك حاول اثيودار استخدام علومه الطبية في تكوين جينات خاصة يتحكم بها، ليتمكن من إدخال عنصر الشرّ والقوة معاً في الطفل، وبذلك قد يكون وصل لتحقّق حلمه.
أجرى اثيودار الكثير من التجارب في معمله الذي قام بتجهيزه بكل ما يلزم لمثل هذه التجارب. فقد كان مقتنع بما يفعله، ولكنّه لم يتوصل إلى شيء إطلاقاً، و أن جميع تجاربه باءت بالفشل وخيبة الأمل.

لم يغب عن ذهن اثيودار ذلك الإسوار الذي أعطته إيّاه أمه، و قصّتها الغريبة مع والده رود، الذي رحل عن عنها وتركها. و في ذات يوم حلم اثيودار حلماً غريباً، ومرعباً جداً. ليستيقظ من نومه خائفاً يملؤه الرعب. حيث راى انه يقتل نفسه في المنام بصورة بشعة اذ راى ان يداه اصبحت تحمل مخالب مدببه تتطاول شيء فشيء ليقوم بعدها بتمزيق وجهه بها ومن ثم اقتلاع عيناه وبعدها قطع راسه.

شعر اثيودار أن الشيطان وراء ذلك الحلم، ولكن مهلاً! لقد وصل اثيودار إلى الحل من خلال هذا الحلم. فالجينات الوراثية بحاجة إلى مصل شيطاني، حتى يجعل القوة الشيطانية في طفله، ولكن كيف يمكن لهذا ان يحدث؟.

ذات يوم وبينما كان في عيادته الخاصة، إذ برجل عجوز غريب الشكل يدخل عليه، وقد كان يعاني من سعال غريب. فأسرع اثيودار لفحصه، وبينما هو يجري الفحوصات له، اكتشف بأن هذا العجوز هو الشيطان نفسه. لم يحاول إشعاره بشيء مطلقاً، وقام بسحب مصل منه و احتفظ به. بعدها طمأن اثيودار هذا العجوز و أعطاه الدواء المناسب وجعله يذهب.
فرح اثيودار لأنّه تمكن أخيراً من الحصول على المصل الشيطاني بكل بساطة وبسرعة. و بدأ بإجراء تجاربه، ولاحظ أن تجاربه باتت تعطي نتائج إيجابية مذهلة. وهكذا قد يتمكن اثيودار من تحقيق حلمه، حيث أنهى اثيودار تجاربه الطبية على هذا المصل، و أصبح الآن جاهزاً لدمجه مع الحيوان المنوي ومن ثم تلقيحه إلى البويضة. وكل ما تبقى على اثيودار هو إختيار الزوجة المناسبة، كي يستطيع تلقيح البويضة و يحدث الحمل لينجب طفل ذو قوة شيطانية كبيرة على حد ظنه.

بعد مرور خمسة وثلاثون يوم أتى نفس الرجل العجوز الذي أخذ منه اثيودار المصل، وقد كان متعافياً تماماً. جلس مع اثيودار لبضع الوقت، وقد كان يعرف كل ما يفعله اثيودار، حيث أن هذا الرجل العجوز قام بالتعريف بنفسه لاثيودار، وأنّه الشيطان. و ان ذاك المصل الذي أخذ منه إذا ما دمج بشكل طبيّ صحيح مع الحيوان المنوي فإنه سينجب طفلاً شريراً جداً، و سيقوم بقتل أمه أولاً ومن ثم قتل والده اثيودار نفسه. وفي حين قُتل اثيودار سيفصل المصل تلقائياً، و يبقى الطفل بعدها دون اب وأم. وان التجربة ستؤدي بالفشل وموت اثيودار.

و لكن إذا لم يتمكن هذا الطفل من قتل اثيودار فأن قوته تزداد كلما طال الوقت، وأنه سيصبح طفلاً شيطاني إرهابي يفتك بالناس ويلقي الرعب في قلوبهم حتى يتمكن من الوصول الى والده اثيودار، ففي كل عمله إرهابية يقوم بها ستزيد قوته أكثر، و أن على اثيودار أن يكون بعيداً عن هذا الطفل، لأنّ هدفه الأول و الأساسي هو قتله، وأن هذا الطفل سيتعرف على والده اثيودار عن طريقة حاسة الشم. أي بمعنى أنه يشتم رائحة والده من بعد، ضمن ظروف معينه، لذلك يجب على أثيودار بعد تلقيح البويضة وحدوث الحمل الهرب عنه. فإذا ما تمكن من اثيودار فإنه سيقتله وينتهي الأمر بالنسبة لاثيودار، ولهذا الطفل أيضاً.

ولكن وعلى حد قول الشيطان لاثيودار فأن هناك مخرجٌ كبير من هذا المأزق الا وهو أن هذا الطفل يحب أن يولد بالحلال أي بالزواج الصحيح، فإذا ما أنجب بالزواج الصحيح يمكن السيطرة عليه و دون الحاجة للهروب عنه. و بذلك يكون اثيودار قد نجح بالتجربة ليحقق بعدها ومن خلال هذا الطفل حلمه. أما إذا ما أنجب بالحرام فيجب على اثيودار الهروب عنه.

أضف إلى ذلك وفي حالة ان الطفل كان بطريقة غير شرعية أو عن طريق زواج محرم فأنه سيكون ذو ارتباط فكريّ كبير وغير دائم مع والده اثيودار، وهذا ما نسميه بـ "الانقلاب الفكريّ المؤقت" حيث أن هذا الطفل في بعض الحالات يأخذ فكر والده وجبنه، و والده اثيودار سيأخذ قوته، ولكن دون ان يستطيع التحكم بها. وحتى تعود القوة إلى هذا الطفل يجب على الطفل الزواج من فتاة و إنجاب طفل أخر ليعود لقوته، و سيستمر بالبحث عن والده اثيودار من أجل أن يقتله، وهذا كله في حالة هروب اثيودار عنه مع ابقاء التحكم بالطفل عن بعد من خلال الفكر.

لم يصدق اثيودار كلام الشيطان، رغم أنّ الشيطان هذه المرة كان صادقاً فيما يقول، و إن كان من الكاذبين. ولكنّه أخذ بمضمون كلام الشيطان، ولم يتخلّى عن حلمه، والذي من الواضح من كلام الشيطان بأنّ الطفل إذا ما أنجب بطريقة شرعيّة وزواج صحيح يمكن السيطرة عليه، وهذه نقطة لصالح اثيودار كما اعتقد. لذلك يجب على اثيودار الارتباط شرعياً بفتاة أرستقراطية و مرموقة، وذات حسب ونسب، بعكس والدته سونيا التي لا يعرف لها أصلاً.

لقد أدرك اثيودار بأن تلك الفتاة قد تكون سوفيا ابنة المسؤول الكبير الذي اغتاله شقيقها، حيث كانت تتردّد عليه كثيراً، وكانت تحبّه كثيراً، و ان اثيودار كان يعلم بمشاعرها تجاهه، الى جانب ذلك انها تنطبق عليها المواصفات المطلوبة للأتمام التجربة.

تقرّب اثيودار من سوفيا كثيراً و أشعرها بحبّه لها، لتتعلّق به أكثر. ليقوم اثيودار بالتقدّم لطلبها للزواج، و بالطبع وافقت سوفيا على الفور بالزواج منه. رغم أنّ شقيقها الاكبر والوحيد كان يعارض هذا الزواج، لكون أنّ أصل اثيودار غير معروف بالنسبة لعائلته، كما و أن اثيودرا يكره المسؤولين، وشقيق هذه الفتاة هو الآن مسوؤل كبير حلّ مكان والده ، و لكن حلم اثيودار وتحقيقه كان أكبر من هذا كلّه.



تزوّج اثيودار من سوفيا، رغم ممانعة شقيقها لهذا الزواج، اذ اعرب عن ذلك بعدم حضورة حفل زواجهما. وتخليه عن شقيقته سوفيا. لتمر الأيام والأشهر بعد زواج اثيودار من سوفيا دون أن يفكّر بإنجاب طفل، وذلك لعدم اكتمال جاهزية المصل بعد دمجه بالمثبتات والخلايا البشرية المأخوذه من دماغ اثيودار، فهو بحاجة الى عام كامل حتى تكتمل جاهزيته وفقاً لما تقوله تجربة اثيودار.

كانت الحياة الزوجية بين اثيودار وسوفيا مليئة بالسعادة والفرح. فقد كانت سوفيا تشعر بأنها أسعد فتاة بإرتباطها باثيودار، ولكن اثيودار لم يغب عن ذهنه أبداً ذلك الحلم لإنجاب طفل يمتلك قوة شيطانية كبيرة، ويستطيع به تحقيق أحلامه، والانتقام لأمّه سونيا، ولو كان ذلك بهلاك البشرية بأجمعها. فهو يرقب مرور الساعات بفارغ الصبر لذلك.

مضى عام كامل، وأصبح المصل الآن جاهزاً لحقنه في الوريد الدموي لاثيودار حيث سيندمج تلقائياً مع الحيوان المنوي حين افرازه لتلقيح البويضة الأنثوية لدى سوفيا الزوجة المختارة والمرتبط بها شرعيا. ولكن يجب أن تكون هذه الليلة التي يتم بها التلقيح ليلة مثيرة جنسياً.

ولكن كيف؟ .....


تذكر اثيودار تلك الغرفة التي كانت والدته سونيا تقيم بها علاقاتها الجنسية مع المسؤولين، و تلك الجرائد والقنديل. لذلك قام بتفريغ غرفة في المنزل وفرشها باوراق الجرائد، و أحضر قنديل زيت و وضعه فيها. استغربت سوفيا كثيراً من فعل اثيودار، ولكنّه أقنعها بأنها ستكون ليلة جنسيّة مثيرة و مليئة بالمتعة.

تم تجهيز الغرفة على أكمل وجه، و جهّز عشاءاً فاخراً، و قد لبست سوفيا اجمل لباس لها في تلك الليلة. و رغم أن سوفيا كانت خائفة من تلك الليلة، لكنّها لم تظهر إهتماماً كبيراً لذلك، وكان هدفها هو إشعار زوجها اثيودار بالحب.

أقبل المساء وكان اثيودار قد حقن نفسه بذلك المصل الشيطانيّ، حيث بدا أكثر قوة مما كان عليه من قبل، و شعر بإحساس غريب جداً لم يسبق وأن شعر به.

تناول اثيودار وسوفيا العشاء قبل الجماع، وجلسا قليلاً يتبادلان حديث العشق والغرام، ثم اصطحب اثيودار سوفيا إلى تلك الغرفة، التي تم تجهيزها وفرشها بورق الجرائد . وبدأ الاتصال الجنسي حيث استغرقت عملية الجماع وقت طويل، وكانت ممتعة جداً، ولم يسبق أن شعرا بمثل هذا الشعور. ولكن هنا ما يلفت الانتباه، وهو أن اثيودار لم يكشف عن صدر (نهديّ) سوفيا ولم يفكّر بذلك. كما أنّ سوفيا كانت وكأنها نسيت كشف صدرها لاثيودار، كما كانت معتادة في كل عملية اتصال جنسي معه.
كان الاتصال الجنسي بينهم يتّسم قليلاً بالعنف و بعض الرومنسية الموجعة، لحين لحظة خروج المني من صلب اثيودار، ليزداد ألم سوفيا وتصرخ بصوت مرتفع جداً. وفي أثناء ذلك يسمع كل من اثيودار وسونيا صوت صراخ طفل يملأ الغرفة بأكملها، ولكنّهم لم يروه. ممّا أخافهما كثيراً.

ملأ الصمت والخوف قلبهما، لتنظر سوفيا فتجد الدم قد غطى فرجها وكأنّ الان قد فضّ غشاء بكارتها، فغادر الاثنان هذه الغرفة على الفور.

حدث التلقيح للبويضة كما خطّط له اثيودار، ونام الإثنان و هما يشعران بالخوف. وفي الصباح إستيقظ كل منهما وهما يشعران بنشاط كبير، و راحة لا توصف. مرّ اليوم تلو الآخر، و الأمور على ما هي عليه، إذ كان اثيودار يتابع وبإهتمام حالة سوفيا. لحين مرور شهر كامل، وذات ليلة قامت سوفيا وهي تصرخ في الليل و بأعلى صوتها، وقد كانت تتألم من معدتها، وأن هناك شيء كبير يتحرك في معدتها. ليقوم اثيودار على الفور بإجراء الفحوصات اللازمة لها، ليتبيّن أن سوفيا حامل في الشهر الأول.

الغريب في الامر أن سوفيا لم يبدو عليها أي من مظاهر الحمل التي تظهر لدى كل النساء، مثل القيء والشعور بالدوار وغيره من أعراض الحمل المعروفة. كما وأن تلك الليلة التي صرخت فيها كانت قد حلمت حلماً غريباً وهو انفجار ضخم جداً كانت هي أول ضحاياه، فأخبرت اثيودار بما حلمت به، ليبتسم حينها اثيودار، إذ كان على ثقة بعض الشيء بأنّه قد تمكّن من إنجاح تجربته. لذلك طلب من سوفيا النوم والراحة، وأن تخبره بكل ما قد تراه، و أخبرها أنّه سعيد جداً بحملها.

في نهاية الشهر الثاني تستيقظ سوفيا من نومها وهي مرعوبة أيضاً، إذ أنها رأت مناماً أكثر رعباً من منامها الأول الذي رأته في شهرها الأول من الحمل. فقد رأت أن شقيقها يعلّق على المشنقة دون أن يشنق، ليأتي طفل صغير و يقوم بتمزيق جسده وتقطيعه إلى أجزاء.

أخبرت سوفيا حلمها الغريب لاثيودار، ابتسم اثيودار وحاول أن يطمئن سوفيا، وهو مقتنع الآن أن تجربته تسير في مسارها الصحيح، وأنّه سينجب طفل يسمّى الطفل المعجزة بالنسبة له، و قادر على تنفيذ كل ما يطلبه منه.

في الشهر الثالث من الحمل تستيقظ سوفيا من نومها على حلم آخر غريب أيضاً. إذ رأت في منامها صورة لمبنيين كبيرين يسقطان بلمحة بصر، و يقتل ألاف الضحا. كما أن ألاف الأطفال احتشدت حول مكان المبنيين القريبين من بعضهم، وهم يبكون. وقد كانت دموعهم باللون الأحمر، أي بلون الدماء. أخبرت سوفيا اثيودار بهذا الحلم ليشعر براحة كبيرة.



الشهر الرابع من الحمل استيقظت سوفيا بسبب حلم مرعب جداً ومخيف، إذ رأت في منامها صورة لرجل مسؤول يشبه والدها، يتمّ إغتياله بصورة مفزعة. إذ حلمت بثلاث قنابل تقوم بتقطيعه إلى أجزاء صغيرة، حيث أن الكثيرين ممكن كانوا بصحبته قد قتلوا أيضاً. وكلّ هذا قد تمّ على مرأى من سوفيا وفي وضح النهار، حيث إحتشد الكثير من الناس ساعة اغتياله. و مثل كل مرة، قامت سوفيا بإخبار اثيودار ليقوم بتسجيل هذا الحلم هذه المرة، كما رأته سوفيا.

في الشهر الخامس من الحمل، وقبل مغيب الشمس بلحظات شعرت سوفيا بالنعاس، لتنام ساعتين، فيوقظها ألم شديد يعتصر أحشائها، لتملأ البيت بالصراخ، فيأتي اثيودار إليها مسرعاً ليقوم بالكشف عليها.

إنّه الوقت المناسب! وقت إعطائها الحقنة الأولى بعد الحمل من مصل الشيطان، كما هو مقرّر في تجربته. و قد سمّى هذه الحقنة بالحقنة المثبّتة للحمل. و هي تمثل عنصر القوة الشيطانية في الطفل، فالتجربة أظهرت أن الزوجة في الشهر الخامس يجب أن تحقن بالمصل الشيطاني نفسه ولكن ليس الذي دمج بالحيوان المنوي انما ما دمج بنقطة واحدة من الدماء اي دماء اثيودار.

التجربة تقول بأن المصل الشيطاني يعطى على ثلاث جرعات. الأولى تدمج مع الحيوان المنوي والتي تعطى في الوريد قبل عملية الجماع وتلقيح البويضة الأنثوية، وهي التي تعمل على إكساب الطفل عنصر الاستقبال والتكوين الوراثي، وهي التي تعمل على نمو الجسد بشكل سريع وملفته للإنتباه. أضف إلى ذلك تكوين الإرتباط الحسيّ مع والده، فإذا ما توقف فكر والده أو مات، ينفصل المصل تلقائياً عن الطفل ويتلاشى، فيعود الطفل إلى حجمه الطبيعي وعمره الطبيعي.

أما الجرعة الثانية، تكون أثناء الحمل، إذ تسمى الجرعة المثبّتة والتي تزيد قوة الطفل الى اضعاف مضاعفة، وتكمل الاندماج الفكري الشيطاني ما بين الطفل ووالده، فهذه الجرعة لا تخلط بالحيوان الملوي ولكنها تخلط أو تدمج بنقطة واحده من الدم تكون من دماء والده كما سبق ذكه من قبل ثم تحقن بها الزوجه اثناء حملها وفي الشهر الخامس بالوريد من اليد اليسرى لتقوم بالتثبيت، وتجعل الطفل اكثر قوه لكنه اقل عقلا أي بمعنى أنه ليس على قدر كافي من التفكير أو العقل، وهذا يعني فقط استقبال الأوامر الفكرية بشكل مباشر أو غير مباشر، ويقصد بذلك ان الطفل يتلقى الأوامر بطريقتين الأولى من والده مباشره والثانية تكون ناتجة عن الإنقلاب الفكري ما بينه وبين والده لمده بسيطة ولتوضيح أكثر أنه بين كل فتره وأخرى يصبح انقلاب فكري ما بينه وبين والده، فوالده يأخذ قوة الطفل لكن دون أن يستطيع التحكم بها، والطفل يأخذ فكر والده وجبنه وضعفة، ولا يمكن للطفل ان يعود إلى قوت ألا حين يتزوج وينجب طفل أو تحمل زوجته، ولكن دون ان ينسى أو يفقد ذلك الطفل أي أفكار من أفكار والده حين عملية الإنقلاب الفكري المؤقت البعيد، ليقوم بعد ذلك باستخدام أفكار والده مع قوته بعد رجوعها في علمية إرهاب كبيرة تمنحة القوة أكثر من قبل أو تزداد بحجم علمية الإرهاب، مع العلم ان فكره وعقل والديه يكبر اكثر، فإذا ما فشل الطفل بالتنفيذ فان قوته تتقلص وفكر والده أيضاً.

ولا ننسى أن هذه الجرعة أو الحقنة من المصل وهي ما بعد الحمل، يجب ان يحقن بها الاب أيضاً في نفس الشهر من حمل زوجته، ولكن ليس في الوريد أنما في العضل، مع أن التجربة تقول إذا ما حقنة الأم في اثناء حملها بحقنة المصل ذاك ولكنها مدموجة مع نقطة من الدم غير دم والد الطفل نفسة أي رجل أخر فأن الطفل لا يستطيع أن يقوم بتنفيذ أي من الأفكار أو الأوامر مهما كان، ولكنه يكبر بصورة غير طبيعية حتى يموت، لكون أنه لا يستطيع استقبال الأوامر أو الأفكار ألا من مصدر واحد فقط وهو المصدر الذي تم دمج المصل مع الحيوان المنوي له، فالأفكار والأومر الشيطانية يجب أن تكون من مصدر واحد ثم تتفرع لتصبح بعد عرضها سلوكاً غير منظم يعتنقه الطفل، وبعد ذلك تتحول تدريجيا الى عادة متكرره يقوم بها الطفل بشكل مستمر أو يومي، حتى تتحول بعد ذلك إلى مبدأ والمبدا يقرر كيفية التنفيذ او التطبيق، ولكنها قابلة للتغير في ذلك الحين برغم أن عملية تغيرها ليست بالأمر السهل أو البسيط مثلما يتوقع الجميع، فهي بحاجة إلى وقت كبير جداً فاذا ما تركت تتحول إلي قيمة (القيم) والقيمة لا يمكن تبديلها أو تغيرها مهما كان، لذلك تبذل الروح مقابلها، وعلى هذا النحو فالأفكار في بادئ الأمر تعرض فقط، فاذا ما تقبلناها اصبحت سلوك والسلوك إلى عاده والعادة الى مبدأ، ومن ثم إلى قيمة والقيمة أعلى المراكز وتبذل الروح من أجلها، فحتى يتقبل هذا الطفل هذه الأفكار يجب أن تكون ملائمة له أي من نفس الجنس والقناعة التي توافقه، فوالده صاحب الحيوان المنوي هو الأكثر تطابقاً معة كما وأنه الأساس الأول في زراعة هذا المصل الشيطاني فيه.

أما الجرعة الثانية ما بعد الحمل والتي تكون في الشهر الأخير من الحمل فهي الأكثر أهمية في هذه التجربة كلها على حد قول اثيودار، فهي التي تلتف بزمام الأمور وتبعث القوة والسيطرة فكرياً على هذا الطفل ليتم تسيره فيما يريد والده أو صاحب المصل الشيطاني. فإذا لم يحقن الطفل بها تكون هناك كارثة إذ يصبح الطفل تحت الفكر الغير مباشر ضمن نهج وسلوك خطير يهدد حياته وحياة والده نفسه.

كانت سوفيا في هذا الشهر قد حلمت حلم غريب أيضاً اذا حلمت بتفجير كنيسة كان قد اقيم بها حفل زواج وقد اصفرت عن قتل الزوجين وقتل العديد من الحضور وكانت أكثر الضحاية من الأطفال، مما بعث في نفسها الاشمئزاز والحزن كما وأنها رأت أثيودار في هذا الحلم، إذ كان يبتسم وكأنه راضي عما يحدث وقد قامة سوفيا باخبار اثيودار عن هذا الحلم الغريب، وان أحلامها اصبحت كلها كوارث ومصائب بشرية تفتك بالعالم اجمعه، لكن أثيودار جعل يبتسم أيضاً ولم يبدي أهتمام كبير لهذا الحلم.



الشهر السادس من الحمل، و سوفيا ممدّدة على السرير شاردة الذهن، ومتعبة بعض الشيء. حاولت النوم وهي تتأمل نفسها على المرآة الموجودة في غرفة نومها من بعيد. وفجأة رأت على المرآة طفلاً عملاقاً، شكله مرعب و يمسك بيده سكيناً ملطخةً بالدّماء، وخلفه الكثير من الأطفال. وقد كان هذا الطفل العملاق قد أجهز على جميع الأطفال في ثواني قليلة، وبعدها اختفى ذلك الطفل، ممّا أثار الخوف في قلب سوفيا كثيراً، وجعلها تنادي على اثيودار والذي كان مشغولاً في تحضير الطعام في المطبخ.

يسرع أثيودار على الفور إلى سوفيا، لتخبره بما قد رأته على المرآة. ليحاول اثيودار تهدئتها حتى نامت. ليعود هو إلى المرآة، فيجد أن بقع من الدماء قد لطّخت الجزء السفلي منها، فيمسحها بيده حتى لا تراها سوفيا. مما أقلق هذا الشيء اثيودار كثيراً، ولكنّه كان على قناعة تامة بأنّ تجربته تسير في مسارها الصحيح.

لقد أصبحت الأيام تسير بسرعة البرق، لدرجة أنّ اثيودار وسوفيا لا يشعران بالوقت مطلقاً. كان الشهر السابع من حمل سوفيا، هو أخف شهر عليها. إذ أنّها لم تشعر بالوخزات المؤلمة التي كانت تشعر بها في أشهرها الأولى من الحمل. فقد زادت حيويتها، وكان اثيودار كثيراً ما يصحبها معه للتنزه. إذ وفي نهاية الشهر السابع من الحمل، كان قد صحبها إلى البحر وكانت سوفيا سعيدة جداً بذلك. حيث جلسا على الشاطئ يستمتعان بمنظر البحر و أمواجه، وتلك السفن التي ترسي كالحمام على ميناءه. والأطفال يلعبون على الشاطئ ويبنون قصوراً من الرمال. هذا و أن الشمس كانت تبدو أكثر إشراقاً وجمالاً، وبعض من الغيوم القطنية تبدّد حرارة الشمس.

شعرت سوفيا حينها بالنعاس لتنام على صدر اثيودار. لحظات حتى تستيقظ سوفيا بفزع من نومها، حيث أنّها حلمت حلماً مرعباً، إذ أنّها رأت أن جميع الأطفال على هذا الشاطئ قد ابتلعهم الموج، وكان ذلك بسبب طفل كان يقوم بثقب السفن التي رست على الميناء، فتغرق تلك السفن وجميع من عليها. وقد كان هذا الطفل هو نفسه الطفل الذي رأته في المرآة في شهرها السادس.

استيقظت سوفيا على الفور لتحمد لله على أنّه كان حلماً فقط. نظرت إلى اثيودار ثمّ نهضت على الفور من جانبه. استغرب اثيودار من ذلك كثيراً، و بدأ ينادي عليها: "إلى أين يا سوفيا؟" توقفت سوفيا فجأة، وعادت إلى اثيودار. فسألها عن السبب الذي جعلها تنهض مسرعة هكذا، فصمتت قليلاً ومن ثمّ قالت له: "لا شيء يذكر". و من ثم أخبرت اثيودار بحلمها، و الغريب في الأمر، أنّ سوفيا لم تخبر اثيودار أنّها حينما استيقظت من نومها بعد الحلم المفزع، وبعد أن نظرت إلى اثيودار، لم تستطع أن تعرفه، فقد كان على هيئة مخلوق غريب وقبيح. وهذا سبب خوف سوفيا منه، والذي جعلها تهرب ومن ثمّ تعود لتجد أن اثيودار قد عاد لشكله الطبيعي. فاعتقدت أن ما رأته كان نتيجة تأثرها بحلمها الذي رأته.
عاد اثيودار وسوفيا إلى البيت ليجداه مقلوباً رأساً على عقب، و دون أن يسرق منه شيئاً على الإطلاق. أخاف ذلك اثيودار كثيراً، وسوفيا كذلك. ولم يعرف حينها الفاعل، وما الذي كان يريده من اثيودار.

قرّر اثيودار الرحيل من هذا البيت، ليعود إلى بيت أمّه سونيا في تلك العمارة المكوّنة من خمسة وخمسين طابقاً. وقد كانت شقة والدته في الطابق الثالث عشر. وافقت سوفيا على قرار زوجها بالرحيل، وقامت بتحضير حقائبهم للرحيل من بيتهم إلى بيت سونيا والدة اثيودار.

و بالفعل رحل اثيودار وسوفيا إلى شقة والدته، وقاما بتجهيزها وتنظيفها. وعلى الرغم من أن سوفيا حينما علمت أنّ الشقة موجودة في الطابق الثالث عشر تشاءمت كثيراً، لأن هذا الرقم يعتبر رقم الموت، و لكنّها مجبرة على أن تسكنها نتيجة لما حدث في شقتهم، أضف إلى ذلك أنّ البيت مثير للاشمئزاز كثيراً.

قلق اثيودر ممّا حدث في شقته، وكان كثير التفكير به، وبمن كان وراء ذلك. فاثيودار بطبيعته جبان جداً، وما حدث معه زاده جبناً وخوفاً. وكانت سوفيا تشعر و كأنّها تعلم من فعل ذلك، ولكنّها لم تطلع اثيودار على ذلك و اخفت عنه هذا الشعور. وهذا هو ما جعلها توافق على الفور بالرحيل إلى أي مكان آخر.


قام اثيودار بتأجير الشقة على الفور لزوجين قد تزوجا حديثاً، وقد كان يتابع أخبارهما باستمرار، ويتردّد لزيارتهم كثيراً، وكأنّه ما زال يسكن تلك الشقة. وفي ذات يوم وبينما هو ذاهب لزيارة أولئك الزوجين، وقبل وصوله بلحظات، حدث انفجار كبير في تلك الشقة لينتج عنه موت الزوجين، وتحطيم المبنى عن بكرة أبيه. فاجأ هذا الشيء اثيودار كثيراً، حيث اعتقد أن المقصود من ذلك الانفجار هو و زوجته سوفيا.

شغل هذا الموضوع فكر وتفكير اثيودار كثيراً ، وبقي يحاول معرفة ما الذي يريده منه هذا الفاعل، فكل هذه الأحداث زادت الخوف في قلب اثيودار.

أخبر اثيودار سوفيا بما قد حدث بمنزلهم القديم، و أنّه قد تمّ تدميره بالكامل. خافت سوفيا كثيراً، و لكنّها لم تخبر اثيودار بحقيقة الأمر، و أنّ المقصود من وراء ذلك هي سوفيا و ليس اثيودار.

ذات يوم رجع اثيودار من عمله إلى البيت باكراً، و لم يجد سوفيا في البيت. خاف كثيراً من ذلك، فأتصل بها على هاتفها المحمول، ليجد أنّها نسيت هاتفها في البيت، ولم تأخذه معها. بدأ اثيودار يبحث عنها في كل مكان، و اعتقد أنّها ذهبت إلى رفيقتها لونا، وهي الصديقة الوحيدة لسوفيا والمقرّبة بها كثيراً. فاتصل بها ليسألها، ولكنها أخبرته بأنها لم ترى سوفيا منذ مدّة.

أقلق هذا اثيودرا كثيراً، و لكن كلّها لحظات حتى عادت سوفيا إلى البيت. إرتاح بال اثيودار وهدأت ظنونه، وسألها على الفور أين كانت؟ لتجيبه بأنّها ذهبت للتسوّق وشراء بعض احتياجات البيت. كان اثيودار ما يزال ثائراً لما حصل، فصرخ بوجهها ألّا تكرّر ذلك مرّة أخرى.

بقي اثيودار قلقاً من خروج سوفيا، فهو يشعر بأنّها تكذب عليه، ممّا زاد من خوفه. دخلت سوفيا إلى غرفتها وهي تبكي، فاثيودار لأول مرّة يكلّمها بهذه الطريقة. ونامت تلك الليلة وهي حزينة وخائفة.

نامت سوفيا في تلك الليلة لوحدها في غرفتها، ونام اثيودار في الصالون وهو يفكر بأشياء كثيرة، والخوف قد ملأ كل أجزائه. وفي منتصف الليل استيقظت سوفيا وهي تصرخ بصوت مرتفع. إنّه الشهر الثامن من حملها، و قد رأت هذه الليلة حلماً مرعباً جداً، وقد أخافها كثيراً.

ركض اثيودار على الفور لغرفة سوفيا، ويحتضن سوفيا بين ذراعيه، ويحاول أن يهدئ من روعها. و بعد أن هدأت قليلاً، سألها عمّا حدث، فأخبرته سوفيا بأنّها رأت نفس الطفل العملاق الذي تراه كلّ مرة، وقد رأته يقتل اثيودار بطريقة غريبة، إذ أنّ هذا الطفل قام بثقب رأس اثيودار بأنيابه الحادّة، وامتصّ دماغه، ليسقط على الأرض ويموت.

انزعج اثيودار من هذا الحلم كثيراً، وبدا الخوف عليه. لاحظت سوفيا ذلك، و حاولت التخفيف عنه، فبدأت تمازحه محاولة أن تنسيه قصة الطفل لعلّه ينسى خوفه. ولكن اثيودار عاد ليفتح موضوع البيت من جديد وما حصل به، وأنّ هناك من يلاحقه، ولكنّه لا يعلم من هذا الذي يحاول قتله.

أدركت سوفيا أنّها لا بدّ و أن تخبره بحقيقة الأمر، ومن هو هذا الشخص الذي يحاول قتلها وليس قتل اثيودار. وفعلاً أخبرت سوفيا اثيودار بالحقيقة، وأنّ من قام بتفتيش البيت وتدميره هو شقيقها الأكبر، إذ أنّ سوفيا أخذت بعض المستندات المهمّة والخطيرة، والتي قد توقع بشقيقها وتوصله إلى السجن. وسبب أخذها لهذه المستندات هو خوفها منه، فهو قد قام بقتل والدها، و ليس مستبعداً أن يحاول قتلها هي أيضاً. لذلك أخذت هذه المستندات لتضمن حياتها. و هي اليوم عندما خرجت من البيت كانت عنده، وقد أعادت له تلك المستندات، وطلبت منه أن يتركها وشأنها، وقد وعدها بذلك وأخبرها أنّه لن يعترض طريقها أبداً.

ضحك اثيودار حينها، و نظر إلى سوفيا نظرة غريبة بعض الشيء، مما جعلها تسأله عن سبب ضحكه. فأخبرها بأنه لا سبب لها، و بدأ يعاتبها لأنّها لم تخبره بحقيقة المستندات، وأخفت عنه ذلك. فأجابته بأن هذا الأمر كان منذ زمن طويل، ومن قبل زواجهم. و قد أخفت هذا الشيء خوفاً منها على حياتها، و لكن حينما تزوجت من اثيودار أصبحت تشعر بالأمان، و أن هذه المستندات قد تدمّر حياتها إن بقيت معها، وسيستمر شقيقها بالبحث عنها ليقتلها، لذا قامت بإرجاعها له، وأخذت وعداً منه بأن يتركها وشأنها. وهذه هي كل القصة، وأنّه لا أحد يعلم بسرّ هذه المستندات غير صديقتها لونا، وقد كانت تخفي هذه المستندات معها. وقد أخفت أيضاً لديها نسخة عن تلك المستندات التي أعادتها لشقيقها، وذلك حرصاً منها من مكر شقيقها.ليصمت اثيودار حينها و يسرح بخياله. فقد اعتقد اثيودار بأن الشيطان كان هو من فعل ذلك، و أنّه يريد ما بقي من المصل كي يفشل تجربته ويفقده السيطرة على طفله. فكما نعلم بأنّ الحقنة الثالثة بعد الحمل هي الحقنة المسيطرة، ويجب أن تحقن بها سوفيا في الشهر التاسع من حملها لتكتمل التجربة، ويحصل على الطفل المعجزة ويتحكّم به.

ارتاح اثيودار كثيراً ممّا سمعه من سوفيا، وهدأت روعته. لكنّه كان خائفاً من حلم سوفيا كثيراً، وشعر أن هناك خطأ لا يعرفه، ومع ذلك كان مقتنعاً تماماً من نجاح تجربته، وأنّ الوقت قد اقترب من تحقيق جميع أحلامه التي علّقها على طفله.

كان اثيودار يحسب الأيام المتبقيّة لقدوم طفله، يوما بعد يوم. وكان شديد السعادة من اقتراب الموعد. ولزم البيت مع سوفيا، وكان يتابع حالتها باهتمام شديد، إذ لا يدع سوفيا تقوم بأي فعل، لأنّها بحاجة للراحة التامّة، حيث لم يبقى إلا شهر واحد فقط على الولادة.

سوفيا كثيرة السعادة في اخر شهر من الحمل، حيث شعرت براحة كبيرة خلال هذا الشهر، إذ أنّها لم تشعر بالألم مطلقاً. كما أنها تستطيع الحركة بحريّة ودون أن تشعر بالتعب، وهذا دليل بأن تجربة اثيودار على وشك النجاح.

كانت سوفيا تحب والدها كثيراً وتتذكّره باستمرار، وسيكون في منتصف الشهر التاسع من حملها هو يوم ذكرى مقتل والدها ووفاته. وقد كانت تريد زيارة قبره، و طلبت من اثيودار أن يصحبها لزيارته. وافق اثيودار على طلبها، واخبرها لتجهّز نفسها ليذهبوا.

بالفعل حضّرت سوفيا نفسها ولبست معطفاً اسوداً كان والدها قد أهداها إيّاه في عيد ميلادها. وكانت تبدو رائعة جداً وهي ترتديه، وقد لاحظ اثيودار ذلك. ولكن مهلاً! اثيودار يرى في معصمها سواراً غريباً جداً، إنّه نفس السوار الذي بحوزته، والذي أعطته إيّاه أمه سونيا قبل وفاتها، و أخبرته بأنّ والده هو من أتى به إليها. و أن هناك سوار آخر مماثل له بحوزة والده، وأن اثيودار يمكنه التعرف على والده من خلال ذلك السوار. لذلك اعتقد اثيودار حينها بأن، سوفيا قد أخذت السوار من خزانته. فطلب منها أن تنزعه، و أخبرها أنّ ليس لها الحق في ارتداءه لأنّه من والدته. استغربت سوفيا كثيراً من كلام اثيودار، فهذا السوار هدية والدها لها، وليس سوار والدة اثيودار.


ذهب اثيودار على الفور إلى خزانته، ليجد السوار مكانه. إنّها كارثة حقيقية بالنسبة لاثيودار، فهذا معناه بأنّ سوفيا شقيقته! لا، فوالدة اثيودار أخبرته بأنّ والده قد قتل ليلة رأس السنة.

ما الذي يحدث؟

اثيودار لم يفهم شيء، وسوفيا أيضاً مستغربة كثيراً. ذهب اثيودار ليحضر تلك المحفظة، و أخرج منها صورة والده، لتراها سوفيا وتقول بأن هذه الصورة لوالدها. فسألته من أين حصل عليها، فأصيب اثيودار بذهول و بخيبة أمل كبيرة، فالطفل الذي تحمل به سوفيا، هو طفل حرام. وهذا معناه أن هذا الطفل سيقوم بقتله كما اخبره الشيطان من قبل، وهنا التجربة أخذت نهجاً آخر و أبعاد أخرى على غير ما كان يتوقع.

لم يخبر اثيودار سوفيا بأي شيء، و تظاهر بأن هذه الصورة قد وجدها في المحفظة، و السوار أيضاً، لا يعرف صاحبه، وحينما شاهد السوار بيدها تفاجأ، ولذلك سألها عنه، وكيف حصلت عليه؟ وأن صاحب هذه المحفظة والسوار هو والد سوفيا.

لم تصدق سوفيا ذلك حينها، لأنّ اثيودار اخبرها أن السوار لأمه. و أنها أهدته إيّاه قبل موتها. تظاهر اثيودرا حينها بأنّه يمزح معها، و أنّها مداعبة منه. تفاجأت سوفيا من هذا وشعرت بأن اثيودار يخفي عنها سراً كبيراً، ويجب عليها معرفته ولكن ليس الآن.
انطلق اثيودار وسوفيا إلى المقبرة لزيارة قبر والد سوفيا. و أثناء الطريق بقي اثيودرا سارحا في خياله، وكأنه لم يعد يستطيع السيطرة على عقله.

وصل الزوجان إلى المقبرة، نزلت سوفيا وكانت تمسك بيد اثيودار. و حين وصلوا إلى قبر والدها، قرأ اثيودرا الأسم المكتوب على القبر، "رود مايكل شن" إنّه اسم والده. فقد أخبرته أمه بأن اسم والده "رود"، وهذا كل ما تعرفه من اسمه. لكن الآن قرأ اثيودار اسم والده بالكامل.

كان هذا بمثابة كارثة حقيقية لاثيودرا، أحبطت كل آماله وطموحاته. امتلأت عيناه بالدموع فاستغربت سوفيا من بكاء اثيودار، و اعتقدت بأنّه يشاركها حزنها على والدها. لذا كانت سوفيا سعيدة بزوجها الحنون جداً، وقد قامت بتهدئته ومواساته. أذ كان هذا المنظر غريباً للغاية. لحظات حتى انصرفا وعادا للمنزل. لم يتكلم اثيودرا حينها مع سوفيا، والتزم الصمت والتفكير بخوف قاتل . (ما الحل؟)

بعد تفكير طويل أدرك اثيودار أن الحل هو أن يهرب ويبتعد عن سوفيا، ويراقب الطفل من بعيد. فالسيطرة هنا تكون عن بعد وعبر الانقلاب الفكري الغير مباشر فقط. فإذا ما عثر هذا الطفل على اثيودار فإنه سيقوم بامتصاص دماغه وقتله، وهذا الشيء أكده حلم سوفيا الأخير. كما وان اثيودار لم يستسلم بعد، وسيبقى وراء حلمه مهما كان.
اقترب موعد ولادة الطفل ويجب على اثيودرا المغادرة، وبالفعل هرب اثيودرا عن سوفيا قبل موعد الولادة بستة أيام. تفاجأت سوفيا كثيراً من اختفاء اثيودرا، وبقيت تفتّش عنه في كل مكان. و خافت كثيراً أن يكون قد أصيب بمكروه، أو أنّه قتل. وهي الآن بأمس الحاجة إليه. اتصلت مع صديقتها لونا و أخبرتها بان تقوم بالبحث عنه، فسوفيا لا تستطيع ذلك، لكون موعد ولادتها قد إقترب. كما وطلبت من لونا أن تمكث بجوارها لحين الولادة.

شغل غياب اثيودار فكر سوفيا كثيراً، إذ كانت لا تنام الليل وهي تفكر بما حلّ باثيودار، وإن هوعلى قيد الحياة أم لا.

كانت سوفيا تراقب هاتفها في كل حين لعلّه يتصل بها. في حين أنّ صديقتها لونا كانت قد سألت عنه في كل مكان، لكنّها لم تجد له أيّ أثر.

بقي خمسة أيام على موعد الولادة ولكن سوفيا لم تشعر بأيّة أعراض لاقتراب ولادتها، و لم تصبها وخزات وطلق ما قبل الولادة مطلقاً كبقيّة النساء. بل بالعكس، فهي تشعر براحة تامة وكأنّها ليست في الشهر الأخير من حملها.

حجزت لونا لسوفيا في المستشفى، وقامت بتحضير أغراضها لتأخذها إلى المستشفى من أجل الولادة. وبقيت لونا بقرب سوفيا تنتظر معها موعد الولادة، وتقوم بخدمتها على أكمل وجه.

قبل الولادة بيوم واحد يقرع جرس الباب، فتفتح لونا لتجد أنّ مايك شقيق سوفيا قد جاء لزيارة شقيقته، والاطمئنان عليها. قامت لونا بإدخاله إلى البيت، وذهبت تستدعي سوفيا. وصلت سوفيا لغرفة الجلوس لتتفاجأ بشقيقها وبحضوره إلى بيتها، فهو أبداً لم يأتي لزيارتها منذ زواجها. ولكنّها اعتقد للحظة أنّه قد يملك معلومات عن زوجها اثيودار.

جلست مايك مع شقيقته سوفيا وكان في وضع طبيعي حينها. شعرت الصديقة لونا بانّ بقائها قد يسبب لهما الإحراج، فتظاهرت بأنّها تريد الذهاب لشراء أغراض من السوق، و أنّها ستعود بعد ساعة. لتذهبت لونا تاركة سوفيا وشقيقها لوحدهما.

لم يكن هناك سبب معين قد دفع مايك لزيارة سوفيا. كانت سوفيا خائفة بعض الشيء من مايك، فسألته عن سبب زيارته لها. فأخبرها مايك أنه اشتاق لها، و أراد الاطمئنان عليها، وخصوصاً أنه عرف بأنّها حامل، وقد إقترب موعد ولادتها. و سألها مايك عن زوجها اثيودار، و أين هو الآن؟ انه لا يراه،

صمتت سوفيا قليلاً، ثم أخبرته أنه في عمله الآن وسيعود في المساء. كان مايك يحاول إصلاح الأمور بينهما، وقد سأل عن اثيودار لأنّه يريده في موضوع مهم بخصوص العمل. حيث أنّه كان يريد من اثيودار أن يعمل معه.


تأكدت سوفيا حينها بأنّ شقيقها مايك لا يعلم شيئاً عن اثيودار، لذا أخبرته بأنها ستخبر اثيودار عن زيارته. وفي أثناء حديثهما شعرت سوفيا بوخزاتٍ قويّة في أسفل بطنها، و كأنها ستلد. لحظات حتى استلقت سوفيا على الأرض. فخاف مايك جداً ولم يعرف كيف يتصرّف. طلبت سوفيا من شقيقها كأس ماء، فذهب مايك على الفور ليحضره لها، وبعد أن عاد رأى سوفيا وهي تلد لوحدها، ودون أي مساعدة.

بقي مايك يراقب بشغف عملية الولادة، وقد ملأ الخوف قلبه. إذ كانت عملية الولادة مرعبة كثيراً، قد تغيّر لون وجه سوفيا، وبدأت الدماء تغطي أرجلها بشكل غير طبيعي، وكان الطفل يخرج لوحده. لحظات حتى أخرج الطفل يداه الأولى ومن ثم رأسه، وبقي يقاوم حتى خرج بأكمله. كانت سوفيا تتألم كثيراً وتشاهد ما يحدث امام عينيها، وما يلفت الانتباه هنا أن الطفل حينما خرج وقف على رجليه، و قد كان شكله مرعب وغريب جداً، تسكن الوحشية عيناه ويتحرك بحركات غريبة.

أغمي على سوفيا بعد ولادتها. وبدأ الطفل يلعق الدماء التي تغطيه، وكأنّه ينظّف نفسه بنفسه، و كان ينظر إلى مايك بنظرات مرعبة وغريبة، تثير الخوف والرعب داخل مايك. وبعد أنّ انتهى الطفل من تنظيف نفسه، نظر إلى أمه سوفيا، و التف حول رأسها ليقوم بكسر عنقها و قتلها. ليكبر هذا الطفل بعد قتل أمّه بطريقة غير طبيعية، وفتح فمه على أوسعه.

كان هذا المشهد مخيفاً للغاية، ليقوم الطفل بعد ذلك بقطع يد أمّه و أخذ سوارها الفضيّ ليرتديه في يده. حينها لم يفعل مايك أيّ شيء، والتزم السكون والصمت وعدم الحركة من شدة الخوف.

بعد ذلك قام الطفل بالالتفاف حول مايك واشتم رائحته، ومن ثم أدار وجهه ليذهب إلى شرفة المنزل ويقفز من الطابق الثالث عشر ويختفي نهائيّاً.

خاف مايك كثيراً وهرب على الفور. وحينما وصل إلى السيارة رأته لونا، والتي كانت قد عادت من مشوارها، وقد لاحظت خوفه ورعبه.لتصعد لونا بسرعة إلى البيت، ودخلت لترى سوفيا غارقة بدماءها و قد قتلت. ولاحظت أنّها قد أنجبت، ولكنّ الطفل غير موجود. فأيقنت بأن مايك قد قام شقيقته سوفيا، و أخذ الطفل. ولكنّ لونا لم ترى مع مايك أيّ طفل! إحتارت لونا وشعرت بالخوف كثيراً، وعلى الفور قامت بالإتصال مع الشرطة لتحضر على فورها.

وصلت الشرطة وقامت بأخذ البصمات، ولكنّها لم تجد أيّة بصمات. كما وأن عملية القتل غريبة جداً لم يسبق أن تعاملت الشرطة مع شيء مشابه لها من قبل. فاستدعوا مايك على الفور، وأتى لينكر بأنّه قد قام بقتل شقيقته سوفيا، أو أنّه قد رأى من قتلها في وقت وجوده. لينتهي التحقيق ولم يثبت على مايك أي شيء، وقد قيدت جريمة القتل ضد مجهول.

قتلت سوفيا وبدأ الصراع الإرهابي الآن مع الطفل ووالده اثيودار. فالطفل الآن قد بدأ رحلته الإرهابية للبحث عن والده اثيودار ليقتله. وقد كان اثيودر لم يبتعد كثيراً لهذا الحين. و أن هذا الطفل يستطيع شمّ رائحته لتحديد مكانه. وكان اثيودار يعلم بذلك ويراقب رحلته من بعيد.

لتبدأ القصة الإرهابية مع الطفل المسمّى هاب ووالده اثيودار ضمن الفكر الإرهابي وتطوّراته والصراع التخريبي. فالعلاقة هنا الآن، علاقة فكرية وتحطيط وسيطرة.

فوفقاً للسلوكيات الغير منظم والمتبعة والمتعددة نهجاً وشكلاً ومضموناً، وتطورات الارهاب وتفشيه السريع ما بين العالم، وعدم القدرة للتصدي له وكشفه في اكثره أن ما كان كله، يجب علينا التميز والعودة إلى السبب وليس المسبب فأن ما عرفنا السبب يسهل علينا ايقاف ومعالجة المسبب والسيطرة عليه، وأن كانت اسباب الأرهاب كثيرة ومتعددة ومتفاوتة في ما بينها "أصغر أو اكبر". لذلك نجد أن أكبر أسباب الأرهاب هو كيفيّة النشوء للفرد والأرتقاء بمعنى التربية والبيئة والزمان. أي مقدار ما يتلقاه الفرد من العناية والرعاية له في صغرة أو أهماله وتركه للحياة ومسبباتها وأستعماله من قبل النفوس الضعيفة التي تقوم على رعايته لتصنع منه رجل أرهاب يتلقى الأوامر ويقوم بتنفيذها.


إن العالم كله قائم على حرب فطيرة بشرية فلا تخلو دولة في هذا العالم من القتل والحرب ولو على مستوى الجماعات، وهو قانون الأرض ما يسمى: "من أجل البقاء" مما يجعل نسبة كبيرة من أطفال العالم تقع تحت كاهل الحرمان والتشرد والضياع. لتنساق بعد ذلك إلى هيمنة الأرهاب والنشوء تحت قبته والتماشي مع سلوكياته المحرمة شرعياً ودولياً. مما يصعب على المجتمعات كشف مخططاته وان كان يعيش وسطها. فتركنا للاطفال اليتامى و المشردة واللقيطة وعدم رعايتها منذ الصغر هو أكبر اسباب الأرهاب في عالمنا الصغير. فأطفل يكبر على ما يربى عليه "خيراً أو شر" فأن ما ترك متابعة ومراقبة للأستغلال من أصحاب النفوس الضعيفة والتي همها المال والدمار كان كارثة حقيقة على العالم فهذا معناه أن هذا الطفل سيربى على أفكارهم وينشئ عليها مما يصبح يعد ذلك سلعة رخيصة جداً تجلب لهم مال كثير أذا ما نثروها بين الناس.

.................................................. .................................................. .........

"طفل الشيطان تحت مسمّى الأرهاب"
رواية للكاتب العربي
الكاتب عماد العمرات