مقدمه

أوقف سيارته الجاكوارا السوداء وترجل منها بهدوء, كان يرتدي بذلة زرقاء داكنة وقميص أبيض ولكن من غير ربطة عنق, تطلع من حوله, ثم دخل بناية سكنية قديمة, نظر إلى الغبار المتراكم على جدرانها المتهالكة فعرف أنها مهجورة, صعد درجاتها المكسورة بصعوبة حتى وصل إلى شقة قابعة في أقصى اليمين, وقبل أن يطرق الباب فُتح وظهر من خلفه شاب قائلا " لقد تأخرت يا ألكس".
فرد عليه وهو يدخل " أوه بوب! تختارون مكان لم أعرف أنه موجود على وجه الأرض وتريدني أن أصل بسرعة! "
أجابه بوب مبتسما وهو يغلق الباب " أنت تعرف كريك, إنه يحب أن يبالغ ".
أتاهما صوت يقول " لا بد أن تكون حذرا. هذا هو الدرس الأول الذي تعلمته " ثم ظهر كريك من غرفة أخرى, وأكمل " أسرع يا ألكس واستجوبها, لأنني سأقتلها بعد أن تنتهي منها ".
"لماذا؟"
" لأنها حقيرة حاولت مقاومتي "
ضحك بوب بقوة وقال " لما لا تقول الحقيقة, لقد حاولت قتلك, وكانت ستنجح لولا أن تدخلنا أنا و برنارد "
تطلع ألكس في أرجاء الشقة الصغيرة, ثم سأل " صحيح أين برنارد ؟ "
فأشار بوب بإصبعه إلى غرفة مغلقة في الجهة اليسرى لباب الشقة " معها في الغرفة "
سار ألكس إلى الغرفة وفتح بابها بهدوء, فرأى برنارد يقف بجانب امرأة متناسقة الجسم - طويلة نوعا ما - تجلس على كرسي خشبي, أخذ يتأمل ملامحها, بشرتها بيضاء, شعرها بني مصبوغ تتخلله خصلات شقراء كثيرة, أما عينيها فهي خضراء حادة جدا, لاحظ أنها مقيدة اليدين وأن هنالك انتفاخ في جبينها وفي الجانب الأيمن من شفتها السفلى, لابد أن هذا حدث أثناء قتالها مع أصدقائه. طرق الباب بقوة فلتفتت الأنظار إليه, قال مخاطبا برنارد "حسنا يمكنني تولي الأمر من هنا"
مط برنارد شفتيه, واتجه نحوه وهمس " أعتقد أنها خرساء " ثم خرج و أغلق الباب خلفه.
بدأت عيناها تضيق وهي تراقب ألكس يسير باتجاهها , سألته ببرود لما وقف أمامها "ما اسمك ؟ ". رفع ألكس حاجبيه بسخرية وقال " كان هذا سريعا, لقد قال لي قبل قليل أنه يعتقد أنك صماء"
كررت سؤالها " ما اسمك؟ "
" لماذا؟ "
ابتسمت ابتسامة حالمة " لأنك تروق لي "
عندما لم تجد سوى الصمت جوابا لها قالت "هل ستقتلونني ؟ "
" نعم "
سألت بلا مبالاة " ماذا تنتظرون إذا؟ "
دار حولها وقال " أن تجيبِ على أسئلتنا, من أنتِ ؟ وما علاقتك بالرجلين الذين كانا معك في الطائرة؟"
صمتت قليلا, ثم تحدثت بهدوء " أنتم تراقبون الرجلين فقط, أليس كذلك ؟ "
أجاب بسرعة " هذا ليس من شأنك " ثم استدرك " لحظة! لحظة! ماذا تقصدين بكلمة : فقط ! هل أنتِ شخص كان يجدر بنا أن نراقبه ؟"
ترددت ثم قالت " حسنا إن أخبرتك من أنا, هل ستفك قيدي؟"
"ولماذا أفعل ذلك؟ "
مطت شفتيها بخيبة ثم قالت "بالتأكيد ليس لكي أهرب, فأنت معي هنا, وهناك ثلاثة خلف هذا الباب, كل ما في الأمر أن كتفي يؤلمني فقد سقطت عليها أثناء مهاجمتهم لي"
" حسنا, من أنتِ؟ "
"أنا ابنة رئيس الرجلين الذين كنتم تراقبونهم"
فصرخ قائلا " أنت ابنة مادوف ؟"
همست بتسلية " هل أنت خائف ؟" ثم ابتسمت وقد فاجأها أنها تمكنت منه
مشى بهدوء باتجاه النافذة, ثم توقف يتأمل الشارع الضيق, أخيرا التفت إليها مخرجا سكينا من جيبه, تبادلا النظرات لدقيقة, ثم سار إليها وتوقف ورائها منحيا إلى يديها, وبدأ يقطع الحبل دون أن يدرك أن السحر سينقلب على الساحر في اللحظات التالي, فبمجرد أن تحررت يديها من القيود, أمسكت بيديه بقوة ثم دفعت الكرسي بقدمها فأصابت حافته الخشبية فكه, صرخ متأوها راميا بالسكين لا إراديا, فقفزت متلقطة إياها, ثم طوقته بيدها اليمنى, وأمسكت باليسرى السكين قريبا من عنقه.
تأوه ألكس ألما بسبب يدها الضاغطة فكه, ثم قال " إذا شفي كتفك فإن فكي مازال يؤلمني "
رفعت حاجبيها سخرية " واو! أحب روح الفكاهة "
مرت لحظة صمت, ثم سأل " ماذا الآن ؟ هل ... "
فقاطعته " اشششش ... هنالك ما يحيرني؟ ألم يسمع أصدقائك الضجة؟ لماذا لم يقتحموا الغرفة ؟"
" إنهم يحترمون الخصوصية "
أمرته " اخرس !" ثم رفعت صوتها منادية " اسمعوني جيدا ! يبدوا أنكم ستطلقون النار بمجرد أن أفتح الباب, لذلك أود إخباركم أني أستخدم صديقكم كدرع لي, لذا ابتعدوا عن الباب واخفضوا أسلحتكم, وإلا سأغرس سكينه في قلبه "
انتظرت قليلا, ثم سارت ساحبة ألكس معها إلى أن وصلا إلى الباب, فهمست له " سنرى الآن مقدار حب أصدقائك لك, افتح الباب بهدوء "
مد ألكس يده للباب, ثم بدأ يجذبه رويدا رويدا, ظهر له أولا برنارد الوسيم بعينيه البنيتين اللامعتين وشعره الأشقر, ثم بوب أبيض البشرة وأسود الشعر والعينين, وأخيرا كريك بشعره البني المنساب على كتفيه والذي غطى لون عينيه الزرقاء, هؤلاء هم أصدقائه الذين بدا القلق على وجههم خوفا عليه لدرجة أن كريك مازال شاهرا مسدسه في وجه آسرته, أو بالأحرى في وجهه هو.
قالت موجه كلامها لكريك " أخفض مسدسك, أو أغرس السكين بقلبه "
رد كريك بعدائية " لن تجرؤِ على مس شعرة منه "
نقلت نظرها بين هؤلاء الثلاثة ثم قالت " حسنا لقد غيرت رأي, لا أريد أن تخفضوا المسدسات, بل أن تلقوها أرضا, ثم تدخلوا الغرفة – وأشارت إلى الغرفة التي حبسوها فيها – وتغلقوا الباب, ومن هذه اللحظة حتى تنفذوا المطلوب منكم سوف أبدا بإيذائه "
لم يتحرك أحد, لذا جعلت السكين تلامس عنقه, ثم بدأت تضغط بهدوء حتى ظهر اللون الأحمر.
صرخ بوب بفزع " توقفي "
ولكنها استمرت غير عابئة بصراخه, فأخذ اللون الأحمر يرسم خطا على طول رقبته البيضاء الطويلة. كان ألكس صامتا مغمضا عينيه بكل استرخاء, من يراه لا يصدق أنه الشخص الذي يغرس في عنقه سكين, نعم كان يشعر بالوخز لكنه لم يبدي أي انفعال.
عندما بدأ خط أحمر آخر بالظهور, صاح برنارد " ألقوها وادخلوا الغرفة " ثم أيد قوله بالفعل فألقى سلاحه ودخل الغرفة, ثم تبعه بوب, ومن بعده كريك بعد أن ألقى شتيمة ثم أغلق بابها.
مشت بألكس حتى وصلت إلى باب الشقة, ثم همست قريبا من أذنه " أريدك أن تعلم أنني لست آسفة " رفعت السكين عاليا ثم هوت بها لتشق طريقها في فخذه الأيمن, صاح ألكس بقوة, فأسرعت بالخروج بعد مقفلة باب الشقة ورائها بالمفتاح الذي انتزعته من الباب, وهربت.