تسارعت الأشجار على سرعة القطار، فيخيل لمن يراها كأنها تتسابق فيما بينها، وبإحدى عرباته ومن بين المسافرين، جلستا الفتاتان سمراء وزهراء لا تتجاوزان الثالثة والعشرون من العمر، لحظات ويعلن عن اقتراب المحطة، توقف القطار فنزل من نزل وركب من ركب ليتابع سيره إلى محطات مقبلة … من بين الركاب عائلة مكونة من الوالدان وصبي عمره حوالي الأربع سنوات وصبية عمرها حوالي تسع سنوات هذه الأخيرة جلست مقابلة للفتاة سمراء وهي تبتسم، ابتسامتها أخذت سمراء إلى الماضي البعيد… فأغمضت عيناها وراحت تتذكر يوم كانت في نفس سن تلك الصبية وعلى نفس المقعد جلست دامعة العينان بيد مسكت حقيبة صغيرة وبالأخرى ترتكز على عكاز وعلى مقربة منها شيخ في بداية العقد السادس من عمره، ملامح وجهه توحي إلى طيبة قلبه حيث كان يراقبها بعيون مبتسمة كلها حب وحنان، وما إن توقف القطار، نزل الشيخ فنزلت خلفه، وبعد إقلاع القطار وانصراف الركاب اقترب منها الشيخ متسائلا:



- ابنتي … هل من مساعدة؟



لم ترد عليه لكنه فهم من إشارة بيدها أنها بكماء.



تعود سمراء من الماضي البعيد إلى الواقع على صوت صديقتها زهراء:



- سمراء … سمراء … يا لله وصلنا إلى بلدتنا.



تستقعد سمراء وتتهيأ للوقوف وهي تستند على العكاز تاركة زهراء لتحمل الحقائب.



وما إن نزلتا حتى أبصرت زهراء من بعيد شابا مقبلا نحوهما فقالت وهي تبتسم:



- سمراء أنظري … مختار في انتظارنا …



توقفت لحظة وابتسمت وتابعت تقول:



- أقصد في انتظارك.



ابتسمت سمراء وقالت:



- آه منك.



- وهل تنكري أنه مجنون بحبك.



- أرجوك اصمتي إنه يقترب.



- المسكين لا يعرف أن القلب وما يريد.



وما إن اقترب منهما حتى قال:



- حمدا لله على وصولكما بالسلامة.



ثم راح يتناول حقيبتيهما بكل لطف واحترام.







يصلوا أولا إلى حيث إقامة زهراء … والد زهراء كان أمام الباب سعد جدا لرؤيتهما، رحب هو وزهراء بسمراء بالدخول إلى المنزل لكنها اعتذرت بلطف ووعدتهما بأن تمر فيما بعد.







تابعت سمراء طريقها مع مختار الذي فاجأها بدون مقدمات وبكل أدب وهدوء قائلا لها:



- سمراء … لماذا ترفضين حبي لك؟



وبعد فترة صمت ردت عليه:



- مختار تعرف جيدا كم أعزك … فأنا لم أرفض حبك لكن …



توقفت وشعرت بإحراج فنطق هو قائلا:



- لأنني لم أكمل دراستي الجامعية واخترت الفلاحة



فقاطعته قائلة:



- لا أرجوك لا تقل هذا … وصدقني ليس هذا السبب فأنت إنسان متعلم ومثقف ومعك الثانوية وبإمكانك دخول الجامعة متى تريد، وإن كنت فلاح، فلاح بأرضك، وأي واحدة تتمناك.



- إذا مادام هذا هو رأيك فيّ، فلماذا ترفضين؟



وبنوع من الإحراج والتردد استجمعت كل قواها وردت على تساؤله:



- مختار هل تزعجك صراحتي لو قلتها لك؟



- لا أبدا … فأنا وإن لم يكن لي معك نصيب سأظل دائما أخا وصديقا لك إن لم يكن لديك مانع.



شعرت لحظتها بارتياح وقد أدركت مدى سعة قلبه وعقله فبادرت قائلة:



- كلامك هذا أراحني ولهذا سأقول لك الحقيقة، أنا يا مختار مرتبطة بشاب يدرس معي بالجامعة، واتفقنا أن نحدد موعدا للخطوبة بمجرد تخرجنا، وصدقني لو قلت لك بأنني تعرفت عليه قبل أن أدرك اهتمامك بي.



لم ينطق ولا بكلمة … تابعا طريقيهما وكان الصمت سيد الموقف ولما وصلا إلى حيث إقامة سمراء غادرها قائلا بكل لطف وأدب:



- مثلما قلت لك، سأظل الأخ والصديق الذي تحتاجينه في أي وقت ومن كل قلب أتمنى لك السعادة والتوفيق مع من اختاره قلبك.



ولأنها أدركت صدق كلامه ونبرة حزنه فاكتفت بكلمة شكر له.







ودخلت إلى المنزل بعد انصرافه، وهي تعبر فناء المنزل أبصرت والدتها مجالسة أم مختار، فهرعت لترتمي في حضنها وهي في أشد الشوق لها، نطقت أم مختار في سعادة:



- ربنا ما يحرمكما من بعض.



بعدها سلمت سمراء على أم مختار وقالت لها:



- ولا يحرمنا منك، فأنا كلما يختلجني القلق في غيابي عنها فبمجرد ما أتذكرك بأنك لا تتركينها ولو لحظة لوحدها أشعر بالاطمئنان.



وردت أم مختار:



- ولو … يا ابنتي لا تنسي أننا ليس فقط بنات خالات، بل أكثر من الأخوات فنحن ولدنا وتربينا في بيت واحد.



تبتسم سمراء ثم توجه نظرها نحو أمها التي ما زالت تحيطها بذراعيها بكل حنان قائلة:



- كم اشتقت إليك، وبصراحة لولا إصرارك بأن أكمل دراستي الجامعية ما كنت فعلت واكتفيت بالثانوية وطلبت من أبي زهراء أن يجد لي عملا بالمدرسة حتى لا أبتعد عنك ولو لحظة من عمري.



لحظتها تقوم أم مختار لتستأذن بالانصراف، وبعد خروجها تابعت سمراء قائلة:



- على كل هانت، كلها كم شهر وأعود حاملة الشهادة.



بعدها فاجأتها الأم قائلة:



- هل التقيت مختار؟



تنهدت وردت:



- نعم، وقلت له الحقيقة، هي صحيح حقيقة مرة لكن أنا متأكدة أنه إنسان مثقف ومتفهم.



وتحاول سمراء تغيير الموضوع حتى تبتعد عن الجو الحزين الذي اكتسحاهما وهما تتكلمان عن مختار قائلة بنبرة فرح وبهجة:



- كم اشتقت إلى فنجان قهوتك.



وراحت الأم تسكب لابنتها فنجان القهوة من الإبريق الذي أمامها وهي في كامل سعادتها قائلة:



- حاضر … حاضر من عيني يا أحلام.



وردت سمراء باندهاش:



- أحلام؟!!



الوالدة الحنون ودون إدراك منها تعيدها إلى الجو الحزين … وراحت سمراء تتذكر الماضي البعيد الذي مر عليه أكثر من أربعة عشر سنة، يوم نزلت من القطار وأحضرها ذلك الشيخ الطيب إلى منزله، وبعد أن استقبلها هو وزوجته بكل حب وحنان وناولنها بعض المأكولات، وراحت زوجته تسألها برقة وحنان واطمئنان باستعمال إشارة اليد:



- بنيتي ما اسمك؟ … أكيد لديك اسم وعائلة



ويظهر على الصبية الذعر والخوف فنطق الزوج:



- دعيها الآن يا أم محمد والصباح رباح إن شاء الله.



بعدها راحت أم محمد تحتضن الصبية بكل حنان قائلة:



- اطمئني يا صبية لن نتخلى عنك إلا بعدما نعرف طريق أهلك، وريثما يتم ذلك، ما رأيك سأناديك سمراء، تعرفين لماذا؟ … لأنك تحملين سمرة جميلة وأنت حقا سمراء جميلة.



ابتسمت الصبية، ويظهر أنها شعرت بالاطمئنان وهي في حضن أم محمد.







تعود سمراء من الماضي إلى الواقع وبابتسامة حزينة قالت:



- من ذكرك بهذا الاسم يا أم محمد؟ يا أمي التي ليس لي أما غيرها.



وردت الوالدة بكل حب وحنان:



- لأنه اسمك الحقيقي.



وراحت الأم تتذكر بدورها ذلك الماضي … بالضبط يوم رجع أبو محمد مطأطأ الرأس حزينا وكان رده لما سألته أم محمد بلهفة:



- هل تأكدت؟



- مع الأسف نعم، اسمها الكامل أحلام حجازي والأب واحد من أكبر أثرياء البلد له في كل مدينة أملاك وعقارات، أكاد لا أصدق أنه أبوها، تصوري يعترف بأبوته لها ويمنحها شهادة ميلادها وفي نفس الوقت ينكر وجودها، مستعد أن يدفع أي مبلغ لمن يتبناها بعيدا عنه … يا إله؟ ما هذه القسوة !؟



لحظتها تظهر سمراء لما سمعت حوارهما وراحت تقدم ورقة لأبي محمد وكان المكتوب: هل تأكدت الآن من حقيقتي المرة؟" وكان رد أبو محمد وهو يحضنها.



-إذا كان هو باعك فأنا اشتريتك … طبعا ليس بماله بل بقلبي وحناني يا ابنتي.



ابتسمت سمراء وراحت تخطط بقلمها على الورقة قائلة فيها "والآن بعدما تأكدتما عن طريق من لا يستحق مع الأسف بنوتي له، هل ما زلتما مصران تسليمي إلى الشرطة لتبحث في أمري!؟".



وما إن قرأ الأب ما أرادت قوله سمراء على مسمع أم محمد، فإذا بأم محمد تحتضنها قائلة:



- أعذريني يا سمراء فنحن ما كنا نريد التخلي عنك حين أردنا تسليمك للشرطة، فقط لأننا كنا نظن أنك تائهة، لكن الآن وقد اتضحت الأمور فأنا يشرفني أن أعتبرك من اليوم ابنتي الصغيرة أخت محمد ومصطفى.



ابتسمت سمراء وراحت تخط بقلمها حيث قرأ أبا محمد "إذن من اليوم اسمي سمراء".



ونطق أبا محمد:



- وستدخلين المدرسة باسم أحلام حجازي، لكن لن نناديك إلا باسم سمراء، ولو كان الشرع يحلل تغيير الاسم أثناء التبني لفعلت ذلك من أجلك.







تعود أم محمد إلى الواقع حيث أبصرت سمراء تائهة النظرات وقد أرسلت بنظراتها نحو خضرة المزرعة من خلال النافذة، اقتربت الأم فإذا بها تكشف دموعها الحزينة فقالت برقة:



- سمراء ابنتي، الحياة الآن تغيرت، وأصبحت الآن على أبواب التخرج، ونور الدين الذي كلمتني عنه المفروض سيتقدم لخطبتك بعد التخرج وبالتالي يجب أن …



وتقاطعها قائلة:



- أرجوك للمرة الأولى والأخيرة إذا كنت فعلا تعتبرينني ابنتك إنسي الماضي، فأنا خلاص شطبت عليه إلى الأبد.



- لكن يا حبيبتي …



- أرجوك يا أمي.



وبسماعها لدقات الباب وضعا حدا لذلك الحوار، وراحت سمراء تفتح الباب فكان الطارق زهراء التي دخلت لتسلم على أم محمد وفي الوقت نفسه تلوم سمراء على تأخرها.







بالمزرعة … سمراء وزهراء … جلستا تتمتعان بخضرة الطبيعة الخلابة … وراحت سمراء تداعب ريشتها وهي تتفنن برسم الطبيعة، لحظتها راحت تتذكر حبها للرسم من أيام الصبا.



تذكرت يوم كانت ما زلت صبية ترافق أبو محمد إلى المزرعة وكيف كان يشجعها على الرسم هو وأبو زهراء باعتباره مدرسا.







بعد نهاية عطلة الربيع تودع سمراء والدتها وكالعادة تطلب من أم مختار أن لا تفارقها أبدا.







تصل سمراء بصحبة زهراء إلى الحي الجامعي … وبالضبط إلى غرفتها، وما هي إلا لحظات من بعد وصولهما وتصل مجموعة من الطالبات لتسلمن عليهما وفي الوقت نفسه ليتسلمن لوحاتهن من سمراء، فهناك من رسمت لها صورتها الشخصية أو صورة للطبيعة، وكن سعيدات بتلك اللوحات ورغم محاولتهن دفع ثمنها لكن سمراء رفضت ذلك بلباقة، وبعد خروجهن قالت زهراء:



- هل يعقل هذا يا سمراء؟ …على الأقل خذي ثمن التكلفة.



ابتسمت سمراء وقالت:



- صدقيني يا زهراء، إعجابهن باللوحات ولهفتهن عليها هو بالنسبة لي الثمن الحقيقي، ثم لا تنسي إنهن طالبات مازلن تأخذن مصروفهن من العائلة.



- سمراء أنت فعلا فنانة، فنانة في الرسم، في أدبك، ونبلك، وأخلاقك، وطيبتك.




- يا لله … يا لله نغير ملابسنا.