قضى ليلته في قلق حرمه النوم ... يترقب الصباح بقلق وخوف من الفشل في الامتحان العملي للمره الثالثه ... فرصته الأخيره ليتخطي هذا المستوي الصعب... كان طالبا بكلية التربيه الموسيقيه ... فشل مرتين خلال عامين من الجهد والتدريب على العزف من مقامات الموسيقي المقرره عليه.



قضى ليلته يعمل دوزنه للعود ... ويختبر اوتاره عدة مرات ... وعندما هبت نسمات الفجر .. قام فصلي ثم جلس للانترنت لعله يجد هذه الفتاه ... الفتاه التي يشعر معها براحه وهدوء نفسي ... فقد كانت برقتها وبراءتها تمس احزانه فتمحوها ... كانت بالنسبة له رصيد البسمات ومستودع السعاده ... كانت نهرالفرح الذي يشرب منه كلما احس حرقة الظمأ في ليل الأرق ... راح يبحث عنها وهو يعلم جيدا استحالة وجودها في هذا الوقت .



عندما حان الوقت ... انطلق الي الكليه... ووجد هناك عددا من الفتيات والشباب ... حالهم مثل حاله ... كلٌ منهم يأخد جانبا ويعبث باصابع مرتعشه علي اوتار العود الذي في يده ... كانوا جميعا أصغر منه سناً ... فقد التحق بكلية التربيه الموسيقيه بعد أن أنهي دراساته واستمر في عمله سنوات .



وبدأ الامتحان ... وجلس جميع الطلبه والطالبات في قاعة الانتظار ... وكل نصف ساعه يدخل للقاعه هذا الرجل ضاحك الوجه .. وفي يده ورقه ينادي منها احد الاسماء ... وصاحبنا جاالس يتابع في ركن القاعه ... كان ينظر في ملامح كل طالب خارج من قاعه الإمتحان ... فيقرأ علي ملامحه خيبة الأمل ... كان يعرف هذه الملامح جيداً .. فقد عاش هذه اللحظات من الفشل مرتين قبل ذلك .



وهو غارق في تحريك اصابع يديه لعلها تكف عن هذه الرعشه التي انتابتها منذ المساء ... سمع الرجل ينادي أسمه ...



فقام من مكانه وهو يتظاهر بالهدوء ... ويمشي علي مهل ... وكأن شيئا لا يعنيه ... كان في خطواته للقاعه يعطي انطباعا للناظرين بانه رابط الجأش واثق الخطوه .. إلا انه في داخله كان يرتعش كعصفور في شبكة الصياد ... ودخل القاعه



في منتصف القاعه طاوله مستطيله يجلس خلفها أربعة اساتذه من الكليه ... ثلاثة دكاتره رابعهم فتاه آيه في الحسن والجمال ... هي دكتوره حديثة بقسمالآلات الشرقيه .. وتبدو من ملامحها انها اصغر سنا من الطالب نفسه ببضع سنين ... كانت تجلس علي يمين الطاوله ... فظل صاحبنا معلقا عينيه عليها يتأمل ملامحها ذات الجمال الهادي .



وقف في مواجهه الطاوله ... فأشار له رئيس اللجنه بالجلوس ... كان الاساتذه مشغولين في حديث هامس ... حديث يدور عن درجات الطالب الذي سبقه ... استغل هو فترة انشغالهم ... ونظر الي الدكتوره الحسناء الجميله ... وعندما التقت عيناهما ... ابتسمت له ابتسامه خفيه دون أن يلاحظها أحد ... ثم غمزت له بعينها .. وأشارت من يمين الطاوله اشاره بقبضة يدها تدعوه لأن يتماسك .



وهنا التفت اليها رئيس اللجنه قائلا ... اتفضلي يادكتوره ... إبدأي أنتي معه .



نظرت هي بدورها الي الطالب ثم قالت له ... ماذا ستسمعنا من مقام الرست ؟؟ ... فكر هو برهه ثم قال يمكنني أن اعزف جزء من لحن " فكروني"... فقالت الدكتوره .... هذا رائع جدا لأن هذا اللحن به مازورات صعبه لايعزفها الا المحترفين ... اتفضل ابدأ .



وبدأ هو يعزف .. ولكنه ارتبك وسقطت الريشه من يده ... والدكتوره ارتبكت ايضا ... ثم عالجت الموقف بقولها ... لاداعي للارتباك .. كلنا ارتبكنا مثلك قبل ذلك .. ثم ضحكت وهي تنظر الي رئيس اللجنه وتقول ... هل تذكر يااستاذي ... فقال لها الاستاذ ... لا لا .. انتي كنتي متمكنه ونحن الذين ارتبكنا .. وضحك فضحك كل الحضور معه ..



هذه الضحكات وهذا الجو العفوي جعل صاحبنا يتماسك قليلا ... ثم بدأ العزف ... استمر يعزف حتى اشارت له الدكتوره وقالت .. يكفي هذا ... جميل رغم الارتباك أن تعزف بهذا المستوي .



كان الطالب مسروراً في قرارة نفسه ... عندما اختارت الدكتوره له مقام الرست كي تمتحن عزفه عليه ... هذا المقام الاول الذي يجيد العزف عليه تماما ... واسعده اكثر .. انها اشارت اليه أن يتوقف في اللحظه التي انتهي فيها من عزف ما يحفظه من هذا اللحن .



انهمك كل دكتور في تدوين الدرجه التي يستحقها الطالب في ورقه امامه ويعطيها لرئيس اللجنه ... اثناء ذلك كان هناك حوار يدور بالعيون بين الطالب والدكتوره .



وبدأ الدكاتره .. واحد تلو الاخر يسأله أن يعزف مقطوعه من احد المقامات ... وكان صاحبنا يشعر بالرضا ... لأن المقطوعات التي كان يتدرب عليها هي نفسها التي سأله عنها الدكاتره ...



فعزف جزءا من الاطلال من مقام هُزام ... ومقطوعه قدك المياس من مقام حجاز .. وابدع عندما عزف زوروني كل سنه مره من مقام العجم ...


وبعد أن استرد صاحبنا ثقته في نفسه ... جاء الدور في السؤال علي رئيس اللجنه ... الذي صمت قليلا ثم قال له ... هذا هو السؤال الاخير... لو اجتزته أضمنلك النجاح .


كان الطالب يعلم أن هذا السؤال هو الذي سوف يحدد مصيره ... مهما اجاد فيما سبق ... عادت له رعشته وارتباكه ... وتحفزت الدكتوره ايضا ...وهي متشوقه لاستماع السؤال قبل الطالب .. وكأنها هي التي تمتحن وليس هو .



قال له رئيس اللجنه ... تعرف طبعا مقام الكُــرد ... اريد أن اسمع جزء من لحن " حيرت قلبي معاك" ...



وماأن سمع الطالب السؤال حتي تدفقت انهار العرق من تحت خصلات شعره ... فلم يكن يعرف يعزف مازوره واحده من هذا اللحن ولم يتدرب عليه ...


في هذه اللحظه انطلقت في روحه شجاعة اليائس ... استجمع كل رصيد الهدوء في ذاته المتمرده ... وقال .. أنا بصراحه لا أعرف أعزف هذا اللحن... ولكن استطيع أن اعمل تقاسيم من مقام الكرد بدلا منها إن شئت .


فانطلقت الحسناء قائله ... جميل جدا جدا ... فلنسمع تقاسيم بدلا من لحن حيرت قلبي معاك .



ولكن رئيس اللجنه اشار لها بامتعاض وهو يقول في حده ... انتظري يادكتوره ... أنا من يحدد ماذا يعزف وليس هو ...



فإذا بالفتاه سوداء العينين ساحرة الملامح قد تحولت في لحظه الي نمر ... يكسو وجهها امارات الغضب ... وقالت

- يااستاذي هذا امتحان وليس تعجيز ... كيف نطلب منه مالا يستطيع ... يكفي انه اجاد في كل المعزوفات التي سمعناها...

كان رئيس اللجنه هادئ هدوء التماسيح ... بارد برودة الثلج ... والفتاه تتكلم منفعله ... ولكنها انتبهت الي حالها فجأه .. فجلست قائلة ... انا دائما اتعاطف مع الطلبه ... لأني وقفت موقفهم هذا واعرف مايحدث لهم في هذه اللحظات .


فقال لها رئيس اللجنه ... لا مانع يا دكتوره .. ثم نظر إلي صاحبنا قائلا له .. اذا نسمع ماتحفظ ولكن لا تطيل فقد انتهي وقتك ...



فعزف صاحبنا بسرعه وعصبيه بعض النغمات ... وكان يحس أنه لايجيد اثناء العزف ... فتوقف بسرعه ... فقال له رئيس اللجنه ... هكذا اكتفينا ... تفضل أنت بالانصراف .



وقف صاحبنا في مكانه بعد أن انزاح من علي كاهله هذا الهم الذي أرقه في فترته الاخيره ... واحس انه عاد الي طبيعته المرحه ... وقف وقال ضاحكا بصوت مسموع ... بعد أن عصرتوني سوف أذهب للعصير ... احتاج أن ألملم اعصابي في كافيتريا الكليه قبل الذهاب .. كان يقول هذا وعينيه في عيني الجميله التي كانت تدافع عنه بكل قوتها... وكأنها فهمت مقصده ... فابتسمت ابتسامه خفيه علي ركن شفتيها وهي منكسة الرأس ... كأنها تقرأ في الاوراق التي أمامها .


خرج صاحبنا من القاعه وتوجه الي الكافيتريا ... لم يكن واثق من نجاحه .. ولكنه كان راضــي لانه فعل كل ما في وسعه ... وظل هكذا في الكافيتريا بعض الوقت وعينه علي باب القاعه من بعيد ..



فلما رأى الدكتوره قد خرجت من القاعه ... القى الحساب علي الطاوله وخرج مسرعا نحو باب الكليه ...



وفي الشارع علي بعد امتار تمهل في مشيته حتي تلحق هي به ... وبعد لحظات احس بيديها قد احاطت بزراعه وهي تضحك وتهمس له ... مبروك ... لقد اجتزت الاختبار... أنا كنت في معركه من اجلك ...



ثم توقفت عن السير فجأه وكأنها تذكرت شيئا هاما ... وقالت وهي تضحك ... ماهذاالارتباك الذي كنت فيه !!!؟؟ ... لم اتوقع ان اراك هكذا في يوم من الايام !!! ... و ضحكاتها االجميله المرحه جعلت الماره ينظرون اليهم ... فضغط هو علي يدها كي تكف عن العبث والضحك .



فتوقفت عن الضحك وقالت له ... ألم اعطيك أسئلة الامتحان منذ فتره !!!؟؟ ... وسهرت معك طوال الليالي السابقه ادربك عليها ... لماذا الارتباك اذاً ؟؟ ... فنظراليها بركن عينه وقال ساخرا ...



- فعلا لقد أعطيتيني الأمتحان ودربتيني عليه .. لقد اتعبتك معي منذ الحقتيني بالدراسه لأكون طالب عندك ... الافضل أن تقولي لي حيرت قلبي معاك... وضحك


فقالت هي ... اها .. انت تقصد هذا السؤال ؟؟ ... لقد فاجأني هذا السؤال مثلك .. فلم يكن مقررا ضمن اسئلة الامتحان ... لذلك لم اعطيه لك ولم ادربك عليه ...و لكن الحمد لله انتهي الامر بشكل طيب ...


لقد كنت أنا طول الوقت في خوف أن يعرفوا علاقتي بك ... كنت خائفه .. لدرجة انه في لحظه من اللحظات ... شعرت انهم جميعا يعرفون إنك خالي .. .



المهم ... سوف أمر عليكم في المساء اليوم لنراجع الأسئلة النظريه لإمتحان الغد.. يكفيك رسوب .. لابد أن تنجح هذا العام .. وعندما اتصل بك انتظرني أول الشارع ... ثم اكملت وهي تضحك ضحكه عاليه وتقول .. بنت اختك جبانه .. أخاف تمسك بي بــــــدور في الشارع .